ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow مدارات أدونيس - الانشطار في ذروته التراجيدية
مدارات أدونيس - الانشطار في ذروته التراجيدية Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
28 حزيران 2007 الساعة 07:05

فيما تزداد السياسة الإسرائيلية امتهاناً للفلســـطينيين وحقوقهم، مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، محولة الأرض المحتلة الى قفص، أو الى سجن في الهواء الطلق، وفقاً لتعبير باتريك سيل،

وفيما يتراجع كل مشروع موضوعي إنساني، وتتقدم المشروعات والتنظيمات التي تجمع بين أقصى التطرف والعُنف، تحت راية «الحق أو الأمر الإلهي»،

وفيما نشهد البوادر الأولى لفقد الفلسطينيين اسمهم وانتماءهم، بعد فَقْد أرضهم وكيانهم،

في أثناء هذا كله، نرى أن الصورة التي تتخذها القضية الفلسـطينية ليست مــجرد تراجيديا في الهواء الطلق يتم فيها القـــضاء على وطن وشعب، وإنما هي كذلك صورة لا تشرّف المُثل والقيم التي يقاتل من أجلها الفلســــطينيون، ســـواء ارتبطت بالعروبة أو بالإسلام أو بهما معاً. الى ذلك، نجد في هذه الصورة عبثية تاريخية جديرة بأن تخلق شكسبيراً فلســطينياً يرقى الى مستوى التعبير عنها.

مع هذا كله، أعترف بأنني لم أُفاجأ بأن يكون للفلسطينيين حكومتان، وأن ينقسم الجيش العربي الواحد في وجه عدو واحد، الى جيشين متحاربين. كلاّ، لم أفاجأ. ولن أُفاجأ كذلك أن يكون هذا الواقع الفلسطيني صورة اســتباقية أو احتمالية لجميع البلدان العربية. كأن صورة «الملوك – الطوائف» هي جذر التاريخ العربي، وسيرورته – وسوف تكون مصيره، إذا لم يتــــغير النــظر جذرياً الى هذا التاريخ، والى قوامه الديني، بخاصة، وإذا لم تتغير العلاقة معه، تأسيساً لبناء مجتمع جديد، وخلق تاريخ آخر.

- 2 –

هل نريد أن تكون لنا القدرة على الحدس والاستباق؟ إذاً، علينا أن نرى بعيداً. ألا نتوقف عند حركة السطح – وقائع، وأحداثاً، تفاسير، وتحليلات، أخباراً وإعلانات، شعارات ودعايات، وأناشيد ومدائح ترفع للقادة ومؤسساتهم ومنجزاتهم. فلكي نظل في قلب الواقع، علينا أن نذهب الى ما وراء وقائعه. علينا أن نهمل المغزل الإعلامي الذي لا ينسج غير الثياب المموّهة، والأزياء التي لا نكاد نلبسها حتى تهرم وتهترئ.

- 3 –

من التبسيط إذاً، وعدم الدقة القول إن «حماس» مجرّد مجموعة من المتشددين المتطرفين. إنها أكثر من ذلك بكثير. إنها أحلام تاريخية، ومخيلة دينية، وتطلعات مكبوتة لا تعترف بواقع أو بحدّ، وهي تصوّرٌ مُقفل على حقائق تعدها حقائق العالم الكاملة والنهائية.

وقد يمكن التغلب عليها بوصفها «سلطة، لكن يتعذر التغلب عليها بوصفها ظاهرة انفجار اجتماعي – ديني، إلا إذا تم التغلّب على الأسس التي أنتجتها، وأنتجت قبلها ما يشابهها. والذين يحاربونها يهملون هذه الأسس، ويحصرون همهم في القضاء عليها بوصفها «سلطة». وليس هذا إلا استمراراً في علاج أثبتت التجربة التاريخية، ماضياً وحاضراً، أنه لا يُجدي. بل أثبتت أن هذا العلاج قد ينقلب الى نقيضه، ويتحول هو نفسه الى «داء» آخر. هكذا نستيقظ لنرى أن «الداء» الذي توهمنا الشفاء منه قد ازداد انتشاراً. لا أريد أن أقدم أمثلة من الماضي، وأكتفي بأن أقدم مثلين بارزين من الحاضر: النتيجة التي وصل اليها نظام صدام حسين: قَتَلَ «سلطة» الطوائف، وعجز عن القضاء على الظاهرة نفسها، «ظاهرة» الطوائف. وقبله، نظام عبدالناصر في تعامله مع «داء» سيد قطب الذي سجنه وقتله. وها هو الآن عبدالناصر بلا وريث، ويزداد أُفولاً، بينما ورثة السيد قطب يهزون بنية المجتمع المصري، وأركان الدولة المصرية، ويزدادون حضوراً وقوة.

بنى كل من عبدالناصر وصدام حسين، على ما بينهما من الفوارق الكثيرة المتنوعة، «سلطة»، لكنهما لم يبنيا مجتمعاً، وهذا ما يمكن قوله عن الحكام العرب، طول القرنين الماضيين. والحق أن تاريخ العرب في هذه المرحلة كلها لم يكن تاريخ علوم وفنون وتقنيات وحريات وتقدم، وإنما كان تاريخ صراع على السلطة، وتاريخ تمزقات وتراجعات وانهيارات وهو تاريخ لا يزال متواصلاً.

- 4 –

«حماس» – «فتح»: ثنائي يوضح انشطار المسلمين العرب، المحتمل أو الممكن. انشطار حاضر يختزن انشطار المستقبل. فكما كشفت فلسطين، بوصفها «قضية» عن تشتت العرب، وعجزهم، فإن انشطار الفلسطينيين يكشف عن انشطار «الواقع» العربي. قد تكون «قلوب» المسلمين الى جانب «حماس»، ومن المؤكد أن «عقولهم» ليست كلها الى جانب «فتح». وفيما تبدو «حماس» ماضياً يبتلع الحاضر، تبدو «فتح» حاضراً يبتلعه الماضي.

- 5 –

لا يمكن تغيير الواقع «الحماسي» بالأساليب نفسها التي طبقها عبدالناصر على واقع «الإخوان المسلمين». أو طبقها ويطبقها الحكام العرب على مناوئيهم. يمكن تغيير «السلطة» في هذا الواقع، كما أشرت، وذلك هو المرجح. لكن تغيير «السلطة» هنا لا يعني شيئاً كثيراً. لا يعني أكثر من السيطرة على أسلحتها المادية. وقوة «حماس» ليست في هذه الأسلحة، وحدها وإنما هي في الأسس الدينية التي تنهض عليها. لكن في أثناء ذلك، تتواصل الكارثة الساخرة – الفاجــــعة: الــــسلطة «وَهْـــمٌ»، في «الواقع» الذي تعيشه «حماس». وهمٌ قائمٌ على العنف. وعنف الوهم المسلح أشد فتكاً من عنف الواقع المسلح، ذلك أن الأول يتكلم ويفعل «نيابة» عن «السماء».

وهو، إذاً، عنفٌ لا «تحاصره» الحدود، وإنما يقفز فوقها، كما لو أنه «يلغي» الأرض ذاتها. فالأرض بالنسبة الى «حماس» هي «دار» الإسلام وأينما وُجد، وأينما تصورت إمكان وجوده، فيما وراء القوميات واللغات والبلدان، وفيما وراء التاريخ. إنها امتداد «عابر للقارات» للتنظيمات «الجهادية» الإسلامية» في مختلف تسمياتها وأشكالها وتنويعاتها. هكذا تبدو كأنها تقاتل التاريخ الراهن، دائرة في فلَك التاريخ الإسلامي الكوني، فيما تبدو «فتح» كأنها تقاتل عدواً محدداً ومحدوداً، دائرة في فلك السلطة. «حماس» في كل مكان إسلامي، و «فتح» في «الضفة»، لا غير، أو في «غزة»، لا غير.

في ذلك ما يُحتّم على «فتح» إن كانت تريد أن تخرج من «منطق» «حماس»، أن ترفع مستوى الصراع معها، وأن تتمحور حول بناء المستقبل، لا حول استعادة الماضي. ولا سبيل الى ذلك إلا بالتأسيس لمدنية فلسطين، ومدنية المجتمع الذي تعمل على بنائه. وبهذا وحده تقدر أن تخرج من «الوهم» و «الالتباس»، ومن العنف الذي يتولّد منهما، وتقدر، تبعاً لذلك، أن تضع أسساً جديدة لمجتمع جديد، وقيم جديدة، وأن تبني حاضراً مختلفاً بوصفه نواة ومقدمة لتاريخ آخر مختلف.

دون ذلك، ستظل «فتح» تحت التاريخ. ذلك أننا نستطيع أن نفسر «حماس» ونقوّمها بالماضي، لكن بماذا نفسّر «فتح»، ونقومها؟ بالماضي إياه؟ وآنذاك، ما يكون معناها؟ إن معناها، تاريخياً وثقافياً واجتماعياً، لا ينهض إلا على الاختلاف: على كونه نقيضاً لمعنى حماس» – خصوصاً في أبعاده الدينية المتطابقة مع «معنى» إسرائيل، ومع دستورها الذي يحددها بأنها «دولة يهودية»، أو الموازية، على الأقل، لهذا المعنى. هكذا تحدث قطيعة جذرية مع «حماس»، وتُعطي مــشروعية حضارية وإنسانية لقضيتها، وتخرج من آلـــية «تحمّل» الحدث، الى دينامية إبداعه.

دون ذلك أيضاً، لن تكون «فتح»، وإن انتصرت سلطوياً، تحت التاريخ وحسب، شأن الأنظمة العربية، وإنما ستكون كذلك، موضوعياً، «مقيمة»، بشكل أو آخر، في «دار» العقلية الدينية الماضوية، وأيديولوجياتها، واستيهاماتها.

وفي هذه الحال، ما يكون، مرة ثانية، معناها؟

- 6 –

يقول شكسبير إن اللغة هي وحدها القادرة على «تغيير اللون الأخضر الى لون أحمر». والمشكلة عندنا، نحن العرب، أننا نصدّق هذه القدرة، ونصدّق «عملها».

نقلاً عن دار الحياة


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم