أتساءل في كل يوم سؤالا لا يخطر ربما على في كل يوم على الأقل , من نحن و أقصد ب(نحن) أمة العرب (مبدئيا) لكي لا أبعد فئات من مجتمعنا و أشمل أخرى ليست فيه, يقال إن لكل أمة وصفا توصف به , فالألمان شعب الصناعة , و الفرنسيون شعب الحرية , و الإنكليز شعب الاستعمار , السويديون شعب السلام , و السويسريون شعب التعدد , فمن نكون نحن ؟
عندما أتصفح الفضائيات العربية (ولو بالاسم فقط) و الموجودة على الأقمار العربية (غير المضيئة) أجد القنوات بصورة عامة تنقسم إلى 3 فئات راسمة ضمن إطار الصورة ملامح اهتمامات الشعب العربي , بالتأكيد القنوات وضعت لأهداف ربحية (بحتة أحيانا) و ترتكز حسب أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي نعيشه على كسب الزبائن (المشاهدين هنا) و بالتالي فهي مضطرة إلى مجاراة اهتماماتهم .
من هنا كانت رؤيتي لمعرفة اهتمامات الشعب العربي ببساطة من فضائياته ! بسيطة جدا نعم لكنها بساطة معبرة . الفئة الأولى : الناجحة بلا منازع في تحقيق أهدافها يتسع جمهورها بصفة مضطردة يدلل على ذلك تزايد أعدادها بشكل يومي تقريبا و هي فئة قنوات الأغاني (الفيديو كليب ... يا دلي و يا تعتيري) بلا شك و مما أراه و أسمعه أن هذه الفئة تحتل المرتبة الأولى بين المحطات المشاهدة باعتبار الشريحة المدروسة هم أفراد المجتمع بشكل كامل و ليس فئة محددة. أهداف هذه الفئة واضحة و هي انعدام الهدف , لاحظ : إن هذا بحد ذاته هدف خطر و قاتل ,صامت رغم ضجيج هذه القنوات الذي عجز العالم بيل و ديساته عن وصفه. إن جلوس فئة لا بأس بها من الشباب أمام شاشات التلفزيون يتفرجون على قنوات "العري كليب" اللاهدفية يسبب هدرا في العقل أولاً و الإنتاجية ثانيا و الثقافة ثالثا و غيره الكثير ... إذا فنحن ناجحون- و بمعدل أيضا- في هذه القنوات و عندها يمكن تسمية الشعب العربي بأنه شعب "أغاني" مثلا ! إننا مبدعون لدرجة أننا ابتدعنا فئة خاصة بنا ندخل بها التاريخ من أوسع أبوابه المهترئة مع الزمن, أفلا يعد هذا إنجازا بحد ذاته ؟ و يبقى من يقول بأننا لا ننجز . غريب هذا التجني على الأمة العربية ! الفئة الثانية: و هي ضبابية في رؤيتها حتى الآن , حصل خلاف حولها فيما إذا كانت تقدم فائدة أو أنها تقدم ضرراً حقيقياً "بإباحة الكلام لشعب لا يجيد سواه!" هذه الفئة هي فئة القنوات السياسية و ما أكثرها الآن ! هذه القنوات التي قدمت لكل بلد هامشا من "الحرية" ولو حتى بالكلام فقط أكثر مما كان يتخيل حتى صار الحديث عن مواضيع "محرمة" سابقا كالطائفية و الزعماء العرب و الحكومات والشعوب و غيرها أمرا كتير "Normal" و "Easy" طيب , هل قدمت هذه الحرية "الكلامية فقط" شيئاً ؟ مازال هذا موضع بحث معاهد أبحاث العالم العربي التي ستنشأ بإذن الله عندما يصل سعر برميل الخام العربي إلى ال1000 دولار , ربما عندها لن تصبح هذه المعاهد رفاهية ! أما إلى حين إنشاء تلك المعاهد , فأنا أرى بصدق أن هذه القنوات و إن كانت قد داست على الخطوط الحمراء السابقة , فقد تجاوزت فيما تجاوزت خطوطاً حمراءَ أخرى في الاتجاه المعاكس , نعم إنهم اليوم يتحدثون عن الزعماء العرب الخونة , و لكنهم أيضاً يتحدثون مع الصهاينة باعتبارهم "جيران" في المنطقة , وإذا كان علينا أن نعترف بأن اختراق خطوط الحديث عن الزعماء أمر إيجابي بل و ضروري بشدة , فإن الموضوعية تقتضي منا أن نقول أن اجتياز الحاجز الآخر , بيننا و الصهاينة , أيضاً يعد إنجازاً –سلبياً بالنسبة لي- و إيجابياً لهم , و من هنا مازلت محتاراً في تصنيف هذه القنوات مع التجييش الكبير في الرأي العام المعارض والموالي الذي تحدثه. الفئة الثالثة : و هي فئة جديدة في وجودها "كما التقنية المستخدمة في البث" بدأت كقنوات تنويرية و استمرت كموجة ارتدادية محاولة رد الناس إلى الدين و تعزيز ثقتهم به, وهي فئة القنوات الدينية التي انتشرت بكثرة , ففي الوقت الذي نزل فيه القرآن بعبارات واضحة من مثل "اليوم أكملت لكم دينكم .." , توحي هذه القنوات , بعدة وعديد الجهاز الإفتائي الذي يتخذ من تردداتها مسكناً له , توحي بأن الدين إياه مازال ناقصاً جداً , من ناحية , و متناقضاً تناقض هذه الفتاوى من جهة أخرى , على أي حال , فمن الواضح أن هذه القنوات تروج في عصر الدعاية والإعلام/ن , لدين جديد يكون فيه الإنسان مستقبـِلاً لا تدعوه قوة في الكون لتشغيل عقله طالما أن هناك من يُحلل و يُحرم له , من يقول له في كل كبيرة و صغيرة , هذا خطأ و هذا صواب , كُل هذا و اترك ذاك , ادخل إلى الحمام برجلك اليسرى لأن دخوله باليمنى حرام , و على هذه الشاكلة من التفاصيل التي لا تحمل في داخلها إلا دعوات مبطنة لتسفيه الدين و تحويله من عبادة ذات إلهية خالقة للسموات و الأرض , تحمل أسمى معاني العدالة و الشمول , إلى إله يهتم برجل الدخول إلى الحمام , و بلون القطعة القماشية التي تغطي بها المرأة أنفها "العورة" , إنه إلهاء للناس بكل ما للكلمة من معنى عن الدين , و في أمة يستشري فيها الجهل , فإن هذه القنوات تلقى حتماً رواجاً عظيماً , و لكنها لم تصل بعد للذروة , و إن كنت أرى أنها بالتأكيد إلى الأمام تسير. القنوات الفضائية السابحة في المحيط السابق , من وثائقية و ثقافية و طبية و غيرها لا بد أنها ضلت طريقها حيث كُتب على مغلف الرسالة التي اُرسلت بها "تصل ليد شعب الحضارة", المشكلة أن ساعي البريد لا يزال يعيش في القرن الثالث عشر الميلادي , فوصلت إلينا خطأ , أو ربما تعب الحمام الزاجل(من غير أوف و عتابا)من حملها بين الغرب و الشرق (الياباني مثلا) فتوقف في وسط الطريق . و من هنا نرى بأننا إما أمة "الأغاني" و هذا إبداع علينا الاعتراف بخرقه للخطوط الفكرية والسياسية (بما فيها الخط الأزرق ) أو أننا أمة "اللامعروف" بانتظار أن يُعرف , و هذا ليس مقبولا لأنه يعني أننا نعيش في الوقت بدل الضائع لا لشيء بل لأن الحكم تم اغتياله من قبل انتحارييَن من كل من الفريقين لأنه منحاز إلى الفريق الآخر ! و بالتالي لا صفارة تنهي الشوط , فلنغني إذا ! سومر حسن
|