إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow هجاء هستيري لأمريكا في "سيكو" مايكل مور
هجاء هستيري لأمريكا في "سيكو" مايكل مور Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
15 أيلول 2007 الساعة 18:05
سيكو: الشارع الخلفي لأمريكا

يستطيع فيلم مايكل مور الأحدث "سيكو Sicko" أن يجعلك كمشاهد تدخل إلى عقل المجتمع الأمريكي بأكثر مما تفعله كل الأفلام التي قدمتها هوليود حتى اليوم، بما في ذلك الأفلام التي شرّحت هذا العقل أو تناولته بأسلوب نقدي؛ لأن مور يدخل إلى مجتمعه من الباب الخلفي، الذي لا تقدمه الكاميرا أو تسلط عليه الأضواء عادة، أو على الأقل تراعى فيه حسابات اللعبة الفنية في بعض الأفلام، ففيلم "سيكو" وباعتباره فيلما وثائقيا أبطاله بشر حقيقيون من الذين يعانون إلى حد الموت أحيانا من نظام العناية الطبية الخاص بهم، يقدم صورة مجتمع بلا رتوش وبدون أية أقنعة، ولذلك فهو مؤلم وإنساني وحار ومفاجئ إلى الدرجة التي تجعلك كمشاهد تتساءل عما إذا كانت أمريكا التي يصورها مايكل مور في "سيكو"، هي نفس أمريكا التي تقدم في أفلام هوليود باعتبارها المثال والمشتهى، والصورة الأكثر تقدما للمجتمع الإنساني المعاصر!

يحشد مور في فيلمه عشرات الأمريكيين الذين عانوا من وحشية شركات التأمين في بلدانهم، ويقدم نماذج غاية في القسوة لأشخاص أحدهم على سبيل المثال خيّر بين إعادة واحد من أصبعيه اللذين قطعا خلال عمله، فاختار إعادة الأقل تكلفة، ويقدم شهادات لأطباء أو مدراء نادمين في شركات التأمين الأمريكية ساهموا برفضهم لطلبات بعض المحتاجين للتأمين الصحي في موتهم، وتلقوا مكافآت وترفيعا في العمل لتوفيرهم مبالغ مالية للشركات التي يعملون لديها برفضهم هذا، ويربط كل ذلك بسياسات عدة رؤساء أمريكيين دعموا شركات التأمين، وحملوا فزاعة الاشتراكية والشيوعية تخويفا كي لا يصدروا القوانين اللازمة للتأمين الطبي الكامل للمواطن الأمريكي، ويجري مور مقارنات بين نظام التأمين الطبي الأمريكي وأمثاله في كندا وإنجلترا وفرنسا، وحتى في الدولة الاشتراكية الفقيرة كوبا، عبر جولاته في هذه الدول واستطلاعه لآراء مواطنيها، كاشفا مدى القسوة والفظاظة والوحشية التي يتعرض لها المواطن الأمريكي في بلده عبر مقارناته هذه، وإمعانا في هجائه المر لنظامه يكشف مور مدى الإهمال الذي تعرض له الأشخاص الذين اعتبروا أبطالا لمشاركتهم في إنقاذ ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الشهيرة، والذين أصيب أغلبهم بأمراض تنفسية، ولم يجدوا وفاءً لبطولتهم في نظام تأمينهم الصحي من يساعدهم على الاستشفاء، ومن قبيل السخرية وردا على تصريحات الزعماء السياسيين الأمريكيين حول الواقع الصحي المميز الذي توفره الإدارة الأمريكية لسجناء غوانتنامو، يحمل معه في قارب بعض أبطال الانقاذ في أحداث 11 سبتمبر/أيلول ويذهب بهم إلى سجن غوانتيناموا طالبا معالجتهم فيه، لينتهي بهم المطاف في كوبا ويحصلوا على المعالجة والأدوية بأقل الأسعار الممكنة.

مشكلة فيلم "سيكو" الأساسية هي الرغبة المسبقة لدى مايكل مور في إدانة النظام الأمريكي، فقد يكون كل ما صوره في فيلمه حقيقة وواقعا، ولكن المشاهد يشعر بأن مور يدفعه ويصر عليه ولا يكف عن الإلحاح ويرجوه ويستعطفه ليقنعه بموقفه، والذي كان بإمكانه إقناعه به بمباشرية أقل من تلك التي حكمت صنعه لفيلمه، حتى لا يجد من يطرح عليه أسئلة محرجة، عندما يقارن الحال الأمريكية بالكوبية، فإذا كان مقبولا مقارنة التأمين الصحي للأمريكيين بالكنديين والإنجليز والفرنسيين، فسيحتاج الكثير من الناس إلى جهد كبير لإقناعهم بأن الحال الكوبية أفضل من الحال الأمريكية إنسانيا، وسيطرحون أسئلة من قبيل أنه إذا كان الأمر كذلك فلماذا يهرب الناس من كوبا إلى أمريكا ولايفعلون العكس؟ وهل أخذ مور بعين الاعتبار حين صور أسعار الأدوية الرخيصة في كوبا وقارنها بأثمانها الباهظة في أمريكا مستوى دخل الفرد في كلا البلدين؟ وهل يستطيع مايكل مور نفسه الذي قدم هجاء مرا للنظام الأمريكي في فيلمه "سيكو" ومن قبله في (فهرنهايت 11/9) أن يقدم ربع هذا النقد لأية ظاهرة في كوبا التي يكيل لها المديح في فيلمه الجديد؟ وأخيرا ما دامت هذه وجهة نظر مور ما الذي ينتظره حتى الآن للإقامة في كوبا؟

في "سيكو" تتلبس مور حال هستيرية لهجاء نظامه، وقد يكون النظام الأمريكي من أسوأ الأنظمة إنسانيا فعلا، ولكن اختيار مور لكوبا كنظام إنساني نموذجي يقلل كثيرا من مصداقيته، فضلا عن رائحة العنصرية التي يشمها المشاهد في الفيلم، حين يحسد مور سجناء غوانتنامو على الرعاية الطبية التي تتوفر لهم، كما يقلل من مصداقية مور شخصنته لصراعه مع الإدارة الأمريكية، بحشره لقصة صاحب أحد مواقع الإنترنت المخصصة لشتيمة مور، والذي يخير عند مرض زوجته بين إبقاء الموقع مع معالجة الزوجة، أو عدم معالجتها في حال إقفاله، وهنا يأخذ مور دور المحسن الكريم حين يصور شيكاً أرسله لصاحب الموقع بدون معرفة مرسله.

أخيرا سنجد من سيحتفي عربيا بفيلم "سيكو" باعتباره معاديا للنظام الأمريكي، ولكني أريد أن أسأل الدول والأحزاب والهيئات التي ستهلل للفيلم: هل تتحمل أن يقوم مخرج من بلدانها بتصوير عشرة بالمائة مما صوره الفيلم عن واقع مواطنيها الصحي من دون أن توجه له عشرات التهم التي تشكك بوطنيته وتصمه بالخيانة؟ وإذا كان الأمريكيون غير معجبين بنظامهم الصحي، فماذا نقول نحن عن واقعنا الصحي عربيا؟

المصدر: العربية

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم