|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
مختارات متنوعة
في أزمة الهيمنة وشرك التعاقد ومصير العروبة في سورية | في أزمة الهيمنة وشرك التعاقد ومصير العروبة في سورية |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 16 أيلول 2007 الساعة 18:25 | ||
|
في الخطاب الرسمي السوري، ليست سورية عربية لأن أكثرية سكانها عرب، بل هي عربية بمعنى ماهوي، ثابت، وغير تاريخي. الشعب عربي والأرض عربية والدولة عربية. أن ينفرد بحكمها حزب عربي مطلق، عروبوي، يغدو من باب تحصيل الحاصل. وأن تحرم جماعات غير عربية، الأكراد بخاصة، من حقوقها الثقافية والتعبير عن شخصيتها، يضحي أمراً نابعاً من هوية البلد بالذات. ليس للعروبة هذه صفة تعاقدية منشئة لمجتمع ودولة، وهي، من جهة أخرى، ليست مهيمنة خلافا لما كانته في خمسينات القرن العشرين وستيناته، أيام ارتبطت بمبادئ التحرر والتغير الاجتماعي والاشتراكية والعمل من أجل عالم أكثر عدلاً. حول العروبة التقدمية هذه كانت تكوّنت أكثرية اجتماعية حقيقية، اجتذبت كثيرا من غير العرب مناضلين من أجلها وناطقين باسمها: أكراد، آشوريون، أرمن...، فضلا عن غير المسلمين من العرب. الأمر معكوس اليوم، العروبة التي فقدت هيمنتها دون أن تنفتح على أي أفق تعاقدي تجد عربا كثيرين يتنصلون منها ويهاجمونها بصيغ وأساليب متفاوتة الحدة. لكن أهم نتيجة لتفكك الهيمنة العربية هي جنوح العروبة لاكتساب طابع ماهوي مضاد في آن للتقدم الاجتماعي والتنوع الثقافي، ومن هنا ميلها إلى الارتكاز على الإسلام واقتراب العروبيين الماهويين من الإسلاميين إلى درجة الالتحاق. ومن هنا أيضا تباعد أو حتى عداء غير العرب لها. وكذلك بالطبع غير المسلمين. النتيجة المهمة الثانية لتفكك الهيمنة العربية في سورية تتمثل في بروز المجتمع السوري متّحَدا لتكوينات أهلية، دينية ومذهبية وإثنية. فالعروبة المنفصلة عن التقدم والتحرر الاجتماعي ارتدّت هي ذاتها إلى تكوين أهلي يضاف إلى غيره. على مثل هذه الخلفية الاجتماعية التاريخية، تبدو التعاقدية التي يتمحور حولها تفكير الديموقراطيين السوريين معرضة للانجذاب نحو ما يسمى «الديموقراطية التوافقية»، أي اعتبار التكوينات الأهلية ذواتا سياسية. أما فرص قيام واستقرار ديموقراطية أكثرية مبنية على تعاقد بين مواطنين أفراد فتمسي محدودة جدا. هذا شيء محسوس كثيرا ومفكر فيه قليلا في أوساط المثقفين والديموقراطيين السوريين. وهو نتاج أزمة الهيمنة في البلاد والقصور الهيمني للعروبة. القول من ثم إن العروبة هي حل المشكلات الطائفية بدليل أن تهميشها في العراق قاد إلى انبعاث الطائفية، وهو قول عزمي بشارة، يخفق في التمييز بين عروبة مهيمنة وأخرى ماهوية، ولا يتبين أن العروبة الماهوية والطائفية صنوان، ووجهان لعلمية واحدة. العروبة هذه ليست عاجزة عن الوقوف في وجه المد الطائفي بل هي أحد أسبابه ومظاهره في آن معاً. أما النتيجة الأظهر لتفكك الهيمنة العربية أو العروبية فتتمثل بالطبع في الانزلاق الثابت نحو التسلطية وارتكاز النظام على أدوات قمعية موثوقة. ومقاومة التسلطية تجعل التعاقدية مرغوبة، بعد أن كان جعلها ممكنة تفكك الأكثرية العروبية وبروز المجتمع السوري مكوّناً من جماعات عضوية لا تحيل إلى أية أكثرية وطنية حقيقية. لدينا، إذاً، الوضع التالي: نظام تسلطي يستند إلى عروبة ماهوية ومطلقة، أزمة هيمنة وتعذر قيام أكثرية وطنية جديدة، تنامي الوعي الذاتي الفئوي في المجتمع، وبروز المطلب الديموقراطي من دون آفاق ثورية، وفي ظل أوضاع فكرية محلية وعربية ليس الابتكار السياسي صفة مميزة لها، وفي ظل أوضاع عربية وإقليمية يميزها تطييف شديد أو أشد لمجالاتها السياسية. أين المخرج من ذلك؟ هل من بديل عن نظام تسلطي يستند إلى عروبة ماهوية، غير «ديموقراطية توافقية» لا تبدو في «الشرق الأوسط» سوى اسم آخر لعدم الاستقرار أو استراحة بين شوطي نزاع أهلي؟ وهل لا مجال لحل مشكلات أي من بلداننا دون حل أزمات الشرق الأوسط، بل حل الشرق الأوسط ذاته لأنه نظام أزمة مستمرة؟ أم أنه يتعين القبول بنظام الديموقراطية التوافقية وتدبر تحسينه، ما تيسّر؟ أو تقبّل استمرار الأوضاع الراهنة والعمل على كسب الوقت بانتظار فرص أفضل؟ أو أخيرا النضال من أجل ديموقراطية أكثرية في بيئة فكرية وسياسية واجتماعية محلية وشروط إقليمية لا تبدو داعمة لها؟ الديموقراطية التوافقية غير مناسبة دون تغيير (في) الشرق الأوسط، ولعلها غير مناسبة إلا في بلدان صغيرة نسبيا وفي كنف ازدهار اقتصادي وطني واستقرار أمني إقليمي (هذا ما توحيه نماذجها الأوروبية وكندا). دوام التسلطية، وهي عاجزة عن مواجهة الطائفية إن لم تكن طائفية هي ذاتها، هو مسلك قدري غير مقبول. الديموقراطية الأكثرية دون هيمنة يمكن أن يفضي إما إلى نزاع أهلي، أو إلى استعادة التسلطية ومنحها اعتبارا لا تستحقه كنوع من الحل. أما حل الشرق الوسط أو حل أزماته فهو شرط مساعد فحسب فضلا عن اقتضائه على الأرجح عقودا. ماذا إذاً؟ بداية قد لا يكون ثمة من حل غير التحلل. والتحلل قد يأخذ في ربوعنا أشكالا انفجارية، يعرض المختبر العراقي نموذجا مريعا عنها. هذا مخيف لكنه قد يفرض نفسه. فما أفسده طوال عقود فاعلون غير مسؤولين إنسانيا ووطنيا يتعذر أن يصلحه أو يهتدي إلى سبيل لإصلاحه أفراد ومجموعات حسنو النية. على أن التحلل قد يأخذ شكل اهتراء بطيء ومتدرج، بالخصوص لأنه لا مصلحة لنظمنا الحاكمة وللقوى الغربية النافذة مصلحة في تبدل الأوضاع القائمة، فيما مجتمعاتنا مشوّشة المدارك ويسيطر عليها الخوف من الأسوأ. أما تمكن الإسلاميين من السيطرة على الحكم فيحتمل أن تكون عاملا مسرعا للانحلال الاجتماعي والسياسي لا عامل تدارك له. هذا فيما تبدو فرص تولّد هيمنة جديدة محدودة. التطييف النشط المضاد لكل هيمنة يهيمن على حياتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية. لكن بين هيمنة ممتنعة وتسلطية مرفوضة وتعاقدية قد تثبّت الطائفية، هل العقلنة خيار ممكن؟ قد يكون ممكنا بوجود نخبة وطنية قوية، متقدمة ومستقلة عن المجتمع، وحائزة على شرعية أكيدة (تركيا الكمالية حازت في ظرف تاريخي خاص جدا على نخبة كهذه، ظفرت باستقلالها بفضل انتصارتها العسكرية: أتاتورك وأعوانه). هذا أيضا غير متاح لدينا. مرة أخرى أين المخرج؟ غاية ما يمكن أن نقوله إن المخرج ليس في استعادة ما مضى أو في تثبيت حاضر يسير بنا نحو الكارثة. لقد فعل التاريخ فعله، والعروبة التي غدت ماهوية حكمت على نفسها بأن تمسي مكونا من مكونات «المجتمع الأهلي» لا الدولة. في المجتمع الأهلي نحن مسلمون أو مسيحيون، سنيون أو علويون أو دروز أو اسماعيليون...، وكذلك عرب أو أكراد أو آشوريون أو أرمن. في الدولة لا عرب ولا أكراد، لا مسلمون ولا مسيحيون، لا سنيون ولا علويون... فقط سوريون. هذا ما يتعين أن يتبينه العروبيون السوريون دعما للدولة وإضعافا للطائفية. إذ أن فقدان العروبة للهيمنة وخفض رتبتها إلى مستوى مكون للمجتمع الأهلي وجهان لواقع محقق لا ريب فيه. نكران ذلك تعنت فكري، يثبّت تسلطا سياسيا ويغذي انحلالا اجتماعيا ووطنيا. يعرض لبنان اختلاط منطق الدولة التوحيدي بمنطق المجتمع الأهلي التعددي، ولذلك تتمزق الدولة عموديا فيه بين وقت وآخر. العروبة الماهوية لا تضمن حماية سورية من تحول كهذا. حماية الدولة من التطييف والتجزؤ يقتضي انتصاب مستوى وسيط لعزل الأهلي من التسرب إلى الدولة. هذا ما يتعين أن ينشغل به تفكيرنا السياسي. ولعل مفهوم المجتمع المدني يكتسب شيئا من الشرعية باشتغاله على التفكير في ماهية ونظام هذا المستوى الوسيط. ياسين الحاج صاح - دار الحياة.
|
||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|