|
كان يضحك , تجاوز السبعين من العمر , كان لا يتوقف عن الابتسام , عن الكلام العربي المكسـر , إنه جارنا الطيب الأرميني " أبو سركيس " ...
كنا صغارا نلعب في الحي أيام الجمعة , ويجلس قرب مدخل البناء على حافة لسور حديقة بيت أرضي في المبنى , يلاعب هذا ويبش في وجه ذاك , حين كان ابن اختي طفلا صغيرا يهديه السكاكر , أحيل للتقاعد بعد عمله في إحدى السفارات , كم كنا واخوتي نزورهم في المنزل , زوجته الطيبة , ابنته التي كانت تداعب طفولتي وتقول لي " كيفك انتي ؟ انتي خطيـبي , تعالي اقعدي جنبي , انتي خطيبـي وانا خطيبك , كنت أذوب خجلا , حمرة الطفولة ترتسم على وجهي , التصق بشقيقتي بقربي , واسمع الضحكات في المكان ....
تمر السنوات , نكبر , ويكبر ابو سركيس , يكبر كل شيء , تشيخ الذكرى , فجأة , يموت أبو سركيس ...
كم حزنت , العائلة كلها حزنت على الجار الطيب , وعلى عائلته التي تصور الجيرة الحقَّة , كم من " قوالب جاتوه " كنا نتبادلها في الأعياد , كم من قصص تشاركناها , كم من مساعدات قدمناها لبعضنا كعائلة واحدة , لا كجيران في حي واحد , مات أبو سركيس , له ابنتان اخريتان في حمص ولبنان , تأخرتا في المجيء لحضور الجنازة , وقفت واخوتي في ردهة منزله , نستقبل القادمين , لا ولن أنسى وجهه الطيب وهو مسجى على سريره , حتى الموت لم يخطف ابتسامته , وابنته تبكي , تبكي وكأنها تشكرنا في بكائها , جاء كثير من أقربائه , والكل ينظر إلينا , بعضهم نظرة تعجب , بعضهم استفسار , والكثير منهم نظرة ود ومحبة وتقدير ...
نحن من رفع جسد الفقيد , نحن من شارك بإنزال النعش من الطابق الثاني لسيارة الدفن , نحن من خرج خلفه , ونحن من أخذ العزاء في أيام العزاء ....
أيام مضت , لكن , المحبة ترسخت في أنفسنا , إنها الجيرة , الجيرة التي وُصينا بها من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ...
ماذا أقول في زمان قد لا يعرف الجار فيه جاره , والباب على الباب في برج من الأبراج الحديثة ...!!!؟؟
أحمد علي المصطفى
|