ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow أزمة التعليم الديني: بيداغوجية أم بنيوية؟
أزمة التعليم الديني: بيداغوجية أم بنيوية؟ Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
08 تشرين الأول 2007 الساعة 16:45
نقلت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 العالم الإسلامي بأزماته وإشكالاته إلى قلب الحدث والاهتمام العالمي، وبات التعرف على عالم المسلمين بأطيافه وتنوعاته هاجس الباحثين والسياسيين الغربيين على حد سواء. ولما كانت «تهمة» احتضان الإرهاب وتفريخ أبنائه قد ألصقت بالعالم الإسلامي وباتت من المسلمات اللامفكر فيها حتى بالنسبة الى بعض المنتمين الى العالم الإسلامي، فإن البحث في جذور وخلفيات ما يسمى بـ «الإرهاب»، وإيجاد الوسائل القمينة بمواجهته ومكافحته، مثّل الهاجس المعرفي والسياسي «للآخر» المتوجس أصلاً.

وبدا كأن إجماعاً ضمنياً قد تحقق على تحميل مناهج التعليم في العالم الإسلامي وزر ما آلت إليه حال أبنائه وأفكارهم ورؤاهم، واعتبرت تلك المناهج مسؤولة عن زرع ثقافة العنف والتطرف، وتغذية جذور الإرهاب وإقصاء الآخر، وتنمية روح الكراهية للغرب وحضارته، ما استدعى «استنفاراً» محلياً ودولياً لإصلاح هذه المناهج وتعديلها، في ظل عدم القدرة على الإعلان الصريح عن ضرورة استبدالها واستبعادها، في الوقت الذي امتزجت فيه دعوات الإصلاح الداخلية بمثيلتها الخارجية، وتمّ اعتبار كلا الصنفين في سلة واحدة، لجهة الاعتماد والتفاعل، أو الامتناع والتوجس، أو الإهمال واللامبالاة. وهو ما يحاول كتاب خالد الصمدي وعبدالرحمن حللي بعنوان «أزمة التعليم الديني» إصدار (دار الفكر، دمشق، ط1، 2007) الإجابة عنها، أو على الأقل، تقديم مقاربات لها.

يعترف خالد الصمدي في بداية الكتاب بتميز مطلب إصلاح مناهج التعليم في العالم الإسلامي عن نسخه السابقة بكونه «مطلباًً يسوَّق من خارج المنظومة الإسلامية، وتحضر فيه مسألة المرجعية والقيم بقدر أكبر»، وأن ما يتمتع به الخطاب الديني من سلطة رمزية، وكونه خطاباً أيديولوجياً معبأً جعل كثيراً من مؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحوث الحكومية يغير من صيغة طرح آلية إصلاح مناهج التعليم الديني في العالم الإسلامي من، لماذا يدرَّس الدين؟ إلى كيف يدرَّس الدين؟ نتيجة طبيعية لإمعان (الغرب) في عزل تدريس الدين عن المنظومة التربوية نهاية القرن التاسع عشر، ما أحدث أزمات اجتماعية وثقافية، تطورت إلى اقتصادية وسياسية في عصرنا الراهن.

ويعرض الصمدي أبرز الاتجاهات التي رافقت الاعتراف بوجود أزمة في التعليم الديني، فيميز بين اتجاه قائل بضرورة الاستمرار في فصل الدين عن المنظومة التربوية لما يتمتع به التعليم الديني من سمات ثقافية وتربوية معطِّلة، يبدو معها إصلاحه غير متيسر لخلل بنيوي. وبين اتجاه معترف بالأزمة وملحّ في الوقت نفسه على أهمية توظيفه في سياق الحفاظ على الهوية المهددة، وتعبئة الطاقات الفكرية والعلمية والسياسية للعالم الإسلامي. وبين فريق يرى في الدعوات المتناسلة لإصلاح مناهج التعليم الديني انخراطاً في جوقة الغرب «الصليبي» الهادف إلى مسخ الهوية الإسلامية بغزو فكري مخطط يستهدف القيم الإسلامية.

ويميز بعد ذلك بين مفاهيم عدة متشابكة في السياق التربوي، كالتعليم الديني الذي رافق ظهوره ما يسمى التعليم العصري العام بداية فترة الاستعمار، إذ تم فصل العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلمية عن علوم الشريعة واللغة العربية في كبريات الجامعات الإسلامية بعد أن كانت مدمجة. كما ظهر إلى جانب ذلك ما يسمى تعليم الدين من خلال مادة ضمن المنهاج للتعليم العام نفسه، ويميز مفهوماً آخر هو إدماج القيم الدينية بالمناهج التعليمية والذي عاد ليشكل مطمحاً يصطدم بعقبات فكرية أهمها معارضة الداعين إلى علمنة التعليم، وأخرى عملية تتعلق ببذل جهود كبيرة لتكوين واضعي المناهج ومؤلفي الكتب المدرسية.

ويدرج الصمدي أزمة التعليم الديني في أزمة السياسة التربوية واستراتيجياتها في العالم الإسلامي، ويطرح إزاء ذلك عدداً من الأسئلة التي يرى فيها نموذجاً عن أسئلة تلك الأزمة، منتقداً فيها افتقار جل بلدان العالم الإسلامي إلى رؤية استراتيجية واضحة لنظام التعليم، ومعاناة العالم الإسلامي من تبعية سياسية وثقافية تتقلص معها خياراته لبناء نظام تربوي وتعليمي متكامل، طارحاً تساؤلات إشكالية عدة حول ماهية الأزمة وراهنيتها وسبب اهتمام الغرب المفاجئ بها، ومدى توافقها مع دعوات الإصلاح الداخلية.

ويحاول تقديم مقاربة عقلانية علمية بعيداً من نظريتي الإقصاء والمؤامرة تركز على الأسباب الداخلية للأزمة. فيرى في وضعية البحث التربوي في علوم الشريعة مجرد آداب وتعليمات عامة لا ناظم بينها، تتصف بالشح والتشابه والسطحية والعمومية. ويرصد أهم التحديات التي تواجه الدراسات التربوية الإسلامية وأزمة التعليم الديني عموماً، من خلال طرح تصور معرفي ومنهجي ذي أبعاد تطبيقية عملية.

وهو إذ يسقط مفردات العملية التعليمية على التعليم الديني، فإنه يعترف باقتصاره على التلقين والحفظ، وتخلي مناهجه عن أسلوب بناء المفاهيم والمصطلحات، وعدم وجود منهجية فكرية واضحة لبناء المعرفة وتمكين الطالب من إنتاجها. واعتماد المناهج المعاصرة على ما قدمه الأسبقون وعدم إبداع أي أساليب أو مناهج جديدة تتواءم مع روح العصر وأسئلته الكبرى الراهنة. عارضاً نماذج من الأخطاء الشائعة في تدريس علوم الشريعة.

ويختـتـم الصمدي بحثـه بـطرح رؤيـة تربوية مهمة تـتـسم بالعلميـة والعملية معـاً، من واقـع إسهامه في العديد من المؤتمرات وتخصصه في بناء المناهج التعليمية، وبخاصة منها المتعلقة بعلوم الشريعة، في نـظرة تـفاؤليـة مبنية على ما أورده من نماذج على عملية التحول التي تخضع لها المناهج التعليمية في تدريس علوم الشريعة في عـدد من البلدان الإسلامية، من دون أن يغفل ضـرورة الاستفادة من التطور الكبير الذي يعرفه البحث التربوي في تطوير التعليم الديني وبناء مراكز بحث مختصة لاستثمار نتائج هذا التطور في «تكوين المدرِّسين وتهيئة البنية التعليمية والتربوية المناسبة لتطبيق ذلك وتنفيذه».

ويفتتح عبدالرحمن حللي بحثه بالتأكيد على عمق أزمة التعليم الديني وقدمها، واضطلاع رموز السلف بمعالجتها (كابن خلدون في مقدمته) وما تلا ذلك من دعوات لإصلاح التعليم الديني في عدد من الجامعات الإسلامية المعروفة (كالأزهر والزيتونة والقرويين). إلا أنه ينتهي إلى اعتبار العامل السياسي المتمثل بأحداث 11 أيلول، المحرك الرئيس لجميع الدعوات المكثفة لإصلاح التعليم الديني ومناهجه، الأمر الذي استدعى عقد المؤتمرات والندوات لبحث أطر ووسائل إنجاز هذا الهدف ومقاربته. وفي الوقت الذي ركز فيه الصمدي على المنهج التربوي التعليمي عموماً، فإن حللي أقام بحثه على دراسة واقع التعليم الديني في الجامعات الإسلامية خصوصاً، بطرح استبيان على أساتذة وخريجي تلك الجامعات في سورية والمغرب العربي وماليزيا.

يبني حللي بحثه على نتائج استبيانه، فيرى في إجابة جميع المستطلعين على اعتبار التعليم الديني في أزمة، أمراً في غاية الخطورة. ويرجع أسباب هذه الأزمة بحسب توصيف استبيانه ترتيباً إلى «1- ضعف التعليم الجامعي، 2- أسباب سياسية، 3- مضمون المنهاج، 4- طريقة تقديم المنهاج، 5- ضعف القائمين على التعليم، 6- غلبة الحفظ وغياب النزعة النقدية، 7- التعصب وغياب أدب الاختلاف». ويعتبر كلاً من ضعف التعليم قبل الجامعي والبعد السياسي ناتجين من نظرة نخب الدول الحديثة الى الدين ودوره في الحياة وتهميشه على مرّ العقود الماضية بعد القضاء على مؤسساته التقليدية إبان الاستقلال. مبدياً اهتماماً خاصاً بالبعد السياسي في ضوء استفحال الضغوط الأميركية.

ويرى، من أهم مظاهر الأزمة المتصلة بالسلطة والإدارة تسييس التعليم الديني والتدخل في مفرداته، وعدم الاهتمام به رسمياً، وعدم توفير سوق العمل لخريجيه، فيما يبرز أهم مظاهرها فيما يتعلق بالمنهاج بغياب «الربط مع الواقع وعدم التناسب مع العصر ومتطلباته وأسئلته» و «الاهتمام بالكم على حساب الكيف»، و «عدم الاستفادة من العلوم الأخرى ذات الصلة»، و «أحادية التفكير وضعف المنهجية وغلبة التعصب وغياب الحوار والنقد»»، الأمر الذي تنبه إليه قديماً ابن خلدون، فحاول معالجته في مقدمته.

كاتب فلسطيني

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم