إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow في النموذج الإخواني وتناقض الإسلامية المعاصرة
في النموذج الإخواني وتناقض الإسلامية المعاصرة Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
09 تشرين الأول 2007 الساعة 14:11
ياسين الحاج صالح  - الحياة

قبل أن يكون حزبا سياسيا أو تيارا إيديولوجيا مخصوصاً، يكاد «الإخوان المسلمون» يمسون، اليوم، التعبير العام عن الإسلام المنظم والواعي بذاته. يقوم النموذج الإخواني على أن «الإسلام دين ودولة»، ما يقود إلى المزج بين الدين والسياسة، وما يدفع إلى العمل من أجل إقامة حكم إسلامي يتولى «أسلمة المجتمع» عبر «تطبيق الشريعة». هذا النموذج يشكل أفق الوعي والنشاط الإسلامي الذي لا منافس له اليوم، ولا مجال لتجاوزه في الأفق المنظور، إلى حد أن العلاقة بين الإسلام وبين تنظيم «الإخوان المسلمين» وبين «دولة إسلامية» تنكب على الأسلمة وتطبيق الشريعة تبدو علاقة تطابق بديهية لا إشكال فيها.

السلفية الجهادية بالذات هي أقرب إلى صيغة متشددة وهجومية لهذا النموذج العام تدفعه إلى نتائجه القصوى. وهي نتائج رأيناها في مجتمع ضعيف التشكل كأفغانستان على يد حركة الطالبان. أما الأصوات الإسلامية التي قد توصف بأنها ليبرالية فلم تطور نموذجا إسلاميا ينافس على الهيمنة والشرعية.

وهكذا، بينما يظهر الإخوان المسلمون في سورية ومصر حرصا على القول إنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين، «يتأَخْوَن» الوعي الإسلامي العام، أي يتشكل وفق النموذج الإخواني.

لكن كيف نفهم هذا التطور؟ يبدو لنا أنه نتيجة التقاء عارض بين ثلاثة عناصر: دمقرطة الإسلام، وجود مذهب فكري سياسي متماسك، ودوافع احتجاج قوية في الربع الأخير من القرن العشرين. فلأول مرة في بضع العقود الأخيرة يتاح لهذا العدد الكبير من الجمهور المسلم أن يتعرف دينه في نصوصه التأسيسية وفي قراءاتها الأساسية. كان توفير النصوص هذه بأسعار مهاودة نشاطا دينيا ودعويا وسياسيا لمراكز حكومية وأهلية في الخليج، ومراكز أهلية في الدول العربية الأخرى. الأمر يقبل المقارنة مع تعميم الكتاب المقدس في أوروبا بفضل اختراع الطباعة. وقد تلقت عملية الدمقرطة هذه دفعة قوية بفضل شبكة الانترنت وحدث 11 أيلول (سبتمبر)، الذي دفع أعدادا غير مسبوقة من المسلمين إلى معاودة استملاك دينهم.

أما العنصر الاحتجاجي فقد وفره استنفاد قوة الدفع الاجتماعي للثورات الوطنية الشعبوية في السبعينات، وجمود الدينامية السياسية، وانسداد آفاق الترقي الاجتماعي أمام دفق جيلي تولد عن تزايد سكاني غير ملجوم وغير مستوعَب في الهياكل السياسية والاقتصادية للدول القائمة.

وتجري عملية إعادة تشكيل الوعي الإسلامي حول ترسيمة «الإسلام دين ودولة» التي كان صاغها حسن البنا، قبل أن تأخذ شكلا منهجيا على يد سيد قطب ونظرية الحاكمية، لأنها تجمع بين التماسك الذاتي والراديكالية والشمول. ويبدو «الإسلام الرسمي» ذاته منجذبا إلى فلك هذه الترسيمة، مع اختلاف في النبرة. أما الإسلام الشعبي، وهو تديّن «طبيعي» غير واع بذاته، فينحسر لمصلحة تديّن عالِم صلب القوام.

في الأساس دوما إسلام يزداد وعيا بذاته، ولا يجد صيغة متماسكة لتشكله غير الصيغة الإخوانية التي أضحت الشكل القياسي للحداثة الإسلامية. ونتكلم على حداثة لأن الشكل هذا منظم وواع وسياسي، ولا يترك شيئا للطبيعة، ويحاول إعادة بناء شخصية وتفكير وسلوك أعضائه وفق مبادئ أساسية صنعية («القطبية» قد تكون الشكل الأصلب والأكثر صنعية لإسلام متشكل حداثيا، لكنه معاد للحداثة). وزوال الشكل الشعبي من غطاء الرأس النسائي لمصلحة الشكل القياسي الذي يسمى حجابا إسلاميا هو من المفاعيل التوحيدية والتنمطية لهذه الحداثة (منها بالطبع أيضا السفور). وهذه الصيغة قياسية لأنها تجمع التدين والاحتجاج والانضباط، وقدراً من «الاعتدال» (النسبي والذاتي). السلفية الجهادية، بالمقابل، نخبوية ومتطرفة. والإسلام الليبرالي فيه عنصر احتجاجي ضعيف وتديّنه شخصي وغامض، يلائم الشرائح العليا من الطبقة الوسطى. الالتزام بنظام تعبدي صلب وكثيف، وجمعي تفضيليا، يمنح شعورا بالثبات والتماسك وسط بيئات اجتماعية لا تكف أنماط حياتها عن التقلب بعنف ونحو الأدنى.

إذا سلمنا بهذا التحليل تبدى لنا أن مصدر تماسك الصيغة الإخوانية تاريخي، مشروط بوجود منابع الاحتجاج الاجتماعي الراهنة وبعملية «دمقرطة الإسلام». وهو ما يعني أن من الممكن نظريا أن يتشكل الإسلام وفق صيغة أو صيغ أخرى، لكن ليس دون تغيرات عميقة في الأوضاع السياسية والاجتماعية الراهنة في مراكز عالم المسلمين.

والدينامية التي قد تتمخض عن تشكل إسلامي مختلف شغّالة منذ الآن. لدينا إسلام عالِم، يتشكل وفقا للحداثة مع كونه معاديا لها، ينشّط الجمهور ويسيّسه ويخترق انتظاماته الأهلية الموروثة. هو لذلك ديموقراطي بلا إرادة منه، مساواتي رغما عنه، وتحرري خلافا لرغبته. ويبدو أن هذه التناقضات هي التي ستفجر الإسلام السياسي. فالتشكل الحداثي، التحرري والمساواتي والديموقراطي له، يصطدم مع إيديولوجيته المحافظة ومثاله الاجتماعي والسياسي المنفصل عن الواقع. فرغم أنه حداثي وضدّ-أهلي مبدئيا، إلا أنه من جهة أخرى «غير وطني»، له وجه أممي وفوق وطني (الأمة الإسلامية)، ووجه أهلي ودون وطني (الجماعة المسلمة السنية). هذا يقوض فاعليته المدنية المبدئية.

ويبدو النموذج الإخواني عاجزا عن حل هذا التناقض نظريا، وإن يكن حريصا على ضبطه عمليا. هذا بالطبع لا يمكن أن يدوم. فإما يحسم لمصلحة أممية إسلامية صريحة لا تبالي بتفجير طائفي لمجتمعاتنا على غرار ما تفعل منظمة القاعدة ومثيلاتها. أو يتم الحسم باتجاه إسلام وطني، وهو الاتجاه الذي ربما يفضله الإسلاميون الليبراليون، ويمثل عليه حزب العدالة والتنمية التركي.

كذلك رغم أن الإسلام الإخواني «معتدل» ذاتيا إلا أنه متطرف موضوعيا. فهو يصدر عن افتراض «إسلامية الأمة»، فيما بلداننا، قبل الاندراج في الحداثة، وأكثر بعده، متعددة الأديان والمذاهب. وأصل التطرف هنا ودوما هو اعتبار طرف من الواقع هو الواقع بكل أطرافه. أما أصل الاعتدال الإخواني فذاتي، ينبع من الإحساس بالواقع، لكن دونما سماح لهذا الإحساس بأن يعدل شيئا في النموذج النظري. هذا في حين أن أخذ الواقع المركّب والمتعدد الأطراف في عين حسبان النظرية هو ما قد ينتج اعتدالا موضوعيا.

والواقع أن تناقضات النموذج الإخواني، حيال الحداثة والوطنية والاعتدال، قد تكون هي مصدر هيمنته الراهنة. فهي تتيح له إطارا واسعا ومرنا يحتضن مختلفين، كان يمكن أن يتفرقوا على أطر متعددة كل منها أصفى مذهبيا. غير أن مصدر الهيمنة قد يكون هو أيضا مصدر التفجير والتمزق. فالشروط السياسية والأمنية والاجتماعية التي ضمنت تماسك النموذج الإخواني حتى يومنا قد تعصف بهذا النموذج إن تغيرت، سواء بتغير الأنظمة القائمة أو بوصول الإخوان إلى الحكم أو بأية صيغة أخرى.

الوعي الإسلامي اليوم، وفي المتن منه النموذج الإخواني، غير متّسق. وعيه الذاتي مناقض للواقع الموضوعي الذي يعيش فيه. وتناقضاته ستنفجر في التطبيق. فإما اتساق على أرضية النموذج النظري، أي حكم إسلامي وأسلمة المجتمع وتطبيق الشريعة، وهو ما سيحل التناقض، لكنه سيفجر مجتمعاتنا. أو اتساق على أرضية أكثر انفتاحا على الحداثة، وهو ما يجنب مجتمعاتنا التفجر، لكنه قد يفجر النموذج الإخواني، ويولد تشكيلات متطرفة وقاعدية في أوساطهم، لن تلبث مجتمعاتنا أن تدفع ثمنها.

هذه معضلة لا حل لها ضمن التكوينات السياسية القائمة في بلداننا التي ولدت النموذج الإخواني. غير أن من شأن نقاش مفتوح بين الإسلاميين والحداثيين أن يساعد في طرح المشكلة. من هم الحداثيون؟ هذا سؤال تقتضي إجابته تناولا مستقلا.

دار الحياة

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم