إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow رهبان البوذية في الشوارع
رهبان البوذية في الشوارع Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
10 تشرين الأول 2007 الساعة 13:58
محمد الحدّاد - الحياة 

أفادت التقارير الصحافية الواردة من العاصمة البورمية رانغون أنّ عشرات وربما مئات من الرهبان البوذيين قد اعتقلوا على خلفية مشاركتهم في المظاهرات المناهضة لنظام الحكم هناك. ويبدو أن أديرة عديدة تمّ اقتحامها والاعتداء على ممتلكاتها. ومع أن الإعلام الغربي قد يبالغ في قصة مشاركة الرهبان البوذيين في المعارضة لنظام ينتمي إلى بقايا المنظومة الشيوعية، أو إلى حلفاء بكين، فإنّ هذه المشاركة لا تخلو من الغرابة.

فالبوذية هي من أكثر الأديان التي تنأى برهبانها عن الدخول في القضايا السياسية والخوض في الشؤون المباشرة لهذا العالم، وإذا كانت بعض الأديان قد انطلقت من عالم الدين لتصل أحيانا إلى عالم السياسة فإنّ مسار البوذية كان عكسيا، إذ كان بوذا أميرا قرّر التخلّي عن القصور وعن أوساط المتنفذين ليختلي بنفسه ثم بتلامذته بعيدا عن آلام هذا العالم. وازداد إصرار البوذية في العصر الحالي على التمسك بمبدأ الابتعاد عن عالم السياسة بعد أن تورط عدد من كبار البوذيين اليابان (واليابان أكبر المراكز البوذية في العالم) في إيجاد تبريرات دينية لغزوات اليابان ضد الصين ثم دخولها الحرب العالمية الثانية، ونعلم عواقب هذين القرارين.

تشبه الصورة الحالية في بورما (برمانيا) ما شاهدناه منذ سنوات في بولندا وبعض الأنظمة الشيوعية السابقة، إذ يضطلع الدين بدور المقاومة للديكتاتورية والفساد، وهو الذي كان يصنف على أنه أداة لإلهاء الجماهير عن أوضاعها المعيشية بما يحتويه من غيبيات. وإذا استبعدنا نظريات المؤامرة وأخذنا الأحداث على ظواهرها رأينا مجدّدا أنّ أكثر الأديان ابتعادا عن السياسة قد يجد نفسه متورطا في القضايا المدنسة لهذا العالم، لأنّ رجال الدين هم أيضا من عامة البشر الذين يرفضون القهر والظلم فضلا عن اصطلائهم المباشر بنتائجهما الوخيمة. وقبل رجال الكنيسة المسيحية في أوروبا الشرقية ورجال الأديرة البوذية في بورما، واجه رجال الدين الشيعة في إيران نفس الوضع وصدر عنهم نفس الموقف. والسؤال يتعلق بما سيحدث لاحقا إذا انتصرت الثورة الشعبية في بورما، هل سيختار رجال الدين هناك طريقة نظرائهم في أوروبا الشرقية أم طريقة نظرائهم في إيران؟ والجواب المرجح هو الأول بسبب موقف البوذية من السياسة كما ذكرنا.

ولئن كان الدين غير قابل أن يُفصل فصلا قاطعا عن السياسة فإن تسييسه المفرط يؤدي به إلى عاقبتين وخيمتين. الأولى أن المؤسسة الدينية ورجال الدين يفقدون هيبتهم إذا ما تدخلوا في كل تفاصيل القضايا العامة، فلا يمكن لهم أن يحظوا بمكانة متميزة قابلة للاستثمار في الحالات الحرجة جدّا، عندما يحصل الإجماع على مطالبات تتجاوز التباينات الشخصية والطبقية والسياسوية، وعندما لا يكون تدخل رجال الدين انحيازا لطائفة ضد أخرى أو انخراطا في جدل سياسي، بل يتخذ طابعا أخلاقيا بحتا. الثانية أنّ رجال الدين لن تكون لهم الحلول السحرية لحلّ المشاكل التي تُضرِب من شأنها الجماهير وتثور، وهي مشاكل دنيوية بحتة. والقدرة على إصدار الأحكام الأخلاقية هي غير القدرة على إدارة القضايا الدنيوية التي تظل دائما محل تنازع بين القوى الاجتماعية المتضاربة المصالح. والحكم الصالح هو الذي ينجح في توفير إطار سلمي لعملية اقتسام المصالح بين هذه القوى الاجتماعية، فيتجنب الاستبداد والفوضى، وهما الشكلان الأعظم للعنف. وهو ليس معنيا بتحقيق الفضيلة بمعانيها الدينية والأخلاقية المطلقة، فاختلاف تصورات الفضيلة يتعدّد بتعدّد تلك القوى، لكنه يحاول الوصول إلى الوفاق دون الكمال الذي تختلف مواصفاته بين البشر. أما العقائد والأخلاق التي يتمسك بها رجال الدين فلا تقوم على الوفاق. لذاك كان من الحكمة أن تظل في إطار القناعات الشخصية أو أن تتدخّل في ما يتفق حوله البشر دون ما يختلفون فيه. ولا مانع أن يكون الدين عاملا إيجابيا في المجتمع إذا كان من جملة وظائفه أن يكون سلطة أخلاقية مراقبة للدولة تساهم في منعها من التسلط. لكن السلطة المراقبة غير مشروع الدولة المضادة، ولا يتحقق ذلك المقترح إلا إذا تخلّى الدين عن أن يكون مشروع دولة، وإلا أصبح بدوره ذريعة للتسلط وآلة للاستبداد أو تحوّل طلبه الكمالَ إلى ذريعة لإحلال الفوضى.

بورما البلد الشديد التمسك بالبوذية والذي ينهض اليوم للمطالبة بالديموقراطية، يواجه الآن رهانات واجهتها قبله مجتمعات أخرى فنجح بعضها وفشل البعض الآخر. ونحن نتمنى لبورما أن تتحرّر من النظام الشمولي الحاكم بالحديد والنار، ونتمنى لها في الوقت نفسه أن يعود الرهبان إلى أديرتهم وخلواتهم في أقرب فرصة كي يكون مصيرها أقرب إلى بلدان أوروبا الشرقية منه إلى تجارب أخرى.


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم