|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
مختارات متنوعة
انتفاضة رهبان بورما وحدود «مبدأ بوش» | انتفاضة رهبان بورما وحدود «مبدأ بوش» |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 14 تشرين الأول 2007 الساعة 15:21 | ||
|
قارب الرأي العام العالمي الإجماع في إدانته للطغمة العسكرية الحاكمة في بورما (أو ميانمار) بعد أن قمعت وبدّدت التحركات الاعتراضية التي شهدتها العاصمة رانغون (أو يانغون) أخيراً. فعمّت المظاهرات العديد من مدن العالم تأييداً للرهبان والطلاب وغيرهم من المنتفضين في بورما، وصدر عن مجلس الأمن التنديد لممارسات الحكم في رانغون، وأوفد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة مبعوثاً خاصاً لمتابعة القضية. لكن، رغم ما يبدو ظاهراً وكأنه انقضاض على هذا النظام العسكري، فإن الواقع الفعلي يبدو مخالفاً، فالرغبة في المراكز المعنية، نيويورك وبكين ونيودلهي، هي احتواء المواجهة بين السلطة والمعارضة المكبوتة فحسب. وحدها الحكومة الأميركية، وفق ما تفيد مصادر المعارضة البورمية، تعمل بجدية على دعم هذه المعارضة وتحسين فرص نجاحها، وذلك التزاماً بمبدأ سياسي أعلنه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وإن كان لهذا المبدأ حدود في الواقع والممارسة.
يذكر هنا أن بورما ما كادت أن تنتهي من نظام الحزب الواحد في نهاية الثمانينات حتى وقعت في قبضة الحكم العسكري الذي رفض أن يسمح باستكمال الخطوات الكفيلة بانتقال السلطة إلى الصيغة التمثيلية، رغم الانتخابات التي شهدتها البلاد عام 1990. وقد تمكنت الهيئة العسكرية الحاكمة من توطيد العلاقات مع الجارتين ذاتي الشأن في المنطقة، الصين والهند، ناجحة بذلك بالبقاء في السلطة رغم التأييد الكلامي للمعارضة المدنية والصادر بين الحين والآخر عن مختلف المحافل الدولية، ولا سيما منه الداعم للفصيل الفائز في الانتخابات العامة سنة 1990، وتحديداً زعيمة «العصبة الوطنية للديموقراطية» آن سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1991. فعلى مدى قرابة العقدين، وبورما تعيش حالة من السلطوية المنحدرة باتجاه الشمولية، وتشهد نزيفاً مستمراً لمجتمعها، ولا سيما الوسط المديني منه، وتبدداً خطيراً لهويتها الوطنية في مقابل بروز متصاعد للانتماءات الفئوية، اللغوية والمناطقية والمذهبية. ورغم اندلاع بعض الحركات الهادفة إلى كسر طوق الحكم العسكري، فإن الدورة الاقتصادية والثقافية في البلاد سارت باتجاه تعزيز السلطة، وصولاً إلى تكريس حقيقة عجز المعارضة المدنية من تلقاء ذاتها عن إخراج البلاد من حالة السلطوية الممعنة في التجذّر. ورغم إدراك الناشطين البورميين للطبيعة الواقعية للسياسة الدولية، وهي القائمة أساساً على المصالح لا المبادئ، فالبعض منهم استبشر خيراً إثر التحول المعلن في سياسة الولايات المتحدة في أعقاب اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001. فحكومة بوش كانت قد التزمت صراحة بعد هذه الاعتداءات أن لا تكتفي بتصريف الأمور كالمعتاد والتعامل اللامبالي مع الأنظمة السلطوية والشمولية، بل أعلنت عزمها على إشهار الدعم والتأييد الفعلي لمن يناضل في سبيل القيم التي تثمّنها الولايات المتحدة، وتحديداً الحرية والديموقراطية، وإن تطّلب ذلك اعتماد نهج تدخلي في العلاقات الدولية. وهذا التوجه ليس جديداً في السياسة الخارجية الأميركية والتي تتجاذبها اعتبارات متنافسة، تتراوح من المثالية إلى الواقعية انطلاقاً من قراءات متعارضة ترى في هذه أو تلك تحقيقاً للمصلحة الوطنية العليا. وأبرز من التزم بالتوجه المثالي في القرن الماضي كان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون الذي حاول تجسيد توجهه في إطار «عصبة الأمم»، المؤسسة السابقة لمنظمة الأمم المتحدة، في أعقاب «الحرب الكبرى» (أي الحرب العالمية الأولى). لكن الولايات المتحدة نفسها، من خلال السلطة التشريعية فيها، ابتعدت عن هذا التوجه ورفضت العضوية في عصبة الأمم، عائدة إلى النهج الانعزالي، وذلك إلى أن فرضت عليها الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة دوراً دولياً أكثر تدخلية. و»مبدأ بوش»، أي مناصرة الساعين إلى الحرية المتوافقة مع المصلحة الأميركية، جاء تجسيداً للتحليل الذي اعتنقته مجموعة من المفكرين الأميركيين، وهم المعروفون بالمحافظين الجدد، والذي اعتبر أن الأنظمة السلطوية، سواء من خلال الثقافة التعسفية التي تعمّمها أو من خلال جهدها في إلقاء اللوم على الآخر الخارجي، هي المسؤولة عن تنمية التطرف المعادي للولايات المتحدة، كما أن الولايات المتحدة نفسها من خلال تحالفها مع هذه الأنظمة تعرّض نفسها لسخط المجتمعات المقهورة. فالمصلحة الأميركية بالتالي هي بالابتعاد عن هذه الأنظمة، وإن كانت تصنف في خانة الحلفاء، ودعم الحركات المعادية لها. فثمة من اعتبر أن العمل العسكري الأميركي في العراق هو تجسيد لهذا المبدأ، وثمة من رأى في هذا الاعتبار تبريراً نفاقياً لمصالح آنية وحسابات مضمرة. وكان الناشطون البورميون على قدر من الواقعية لإدراك أن «مبدأ بوش» لا بد أن يكون انتقائياً في تطبيقه، فلا بورما ثرية بالنفط كما العراق، ولا في جوارها من يطالب بالتدخل الأميركي. فلم يكن الرجاء في أوساطهم قط أن تقوم الولايات المتحدة بخطوات إقدامية تنتشل المجتمع البورمي من التآكل والإفساد الحاصلين في ظل حكم الطغمة العسكرية. أقصى أمل البعض في صفوف هذه المعارضة كان ولا يزال الاستفادة من النية الصريحة للحكومة الأميركية باتجاه تطبيق «مبدأ بوش» لصالحها. وقد تجسدت هذه النية في دعم علني حيناً وسري أحياناً لجمع شمل المعارضة وتدريبها على وسائل العمل السياسي الفاعل. ولكن الواقع أن نشاط المعارضة البورمية يبقى مشوباً بالعلل المختلفة، من غياب الرؤيا المشتركة لمشروع وطني، إلى انعدام الثقة المتبادلة، إلى ضعف الإمكانيات. وربما كانت الطبيعة الفئوية القومية لمعظم الحركات المعارضة في أطراف البلاد، والتي نجحت في بعض الأحيان بتحقيق حالة تقارب الاستقلال المحلي إزاء الحكم المركزي، أعمق العوامل السلبية أثراً. وإذا كانت ثمة مؤسسة أخرى غير الجيش في بورما قادرة على اختراق الحواجز القومية والمناطقية، فهي الرهبنة. إذ أن بورما بلاد عريقة في تدينها البوذي وفي الاحترام الذي يكنه الفرد والمجتمع فيها للراهب لما يقدمه من وسيلة للاستبراء من الذنب والتقصير في أداء الواجب الديني. وكانت السلطة العسكرية، في إدراكها لهذا الواقع، قد وضعت اليد فعلياً على مؤسسة الرهبنة ونشطت في احتواء رؤساء الأديرة. فالنجاح الذي حققته المعارضة هو في التواصل مع جمهور الرهبان الشباب وتحفيزهم للانضمام إلى صفوف الطلاب والعامة في مواجهة علنية مع النظام العسكري. وتشهد المعارضة حماساً شديداً نتيجة لهذا النجاح. ففيما الحديث أمام الملأ هو عن وجوب إلزام النظام العسكري بالإصغاء إلى مطالب الرهبان والحركات السياسية، فإن الهمس المنقول عن الأوساط القيادية في المعارضة هي أن الهدف إسقاط النظام. ولكن المعطيات الموضوعية الداخلية والخارجية لا تحبذ نجاح هذا الطموح المبطن. فالطغمة العسكرية لا تزال تحظى بولاء جيل الكهول من الرهبان، والجهود المعارضة في التعبئة والتحفيز لم تصل إلى حد تفعيل حركة تظاهرية تلقائية النمو. ولا مصلحة لا للصين ولا للهند في تهديد استقرار المنطقة من خلال فوضى في بورما. والامتناع لدى دول الجوار عن دعم تحول سياسي يشكل حداً بالنسبة للسياسة الأميركية، والتي استنفدت طاقتها من الخطوات التفردية، في التزامها بمبدأ بوش. ففي بورما يظهر التعارض الفعلي في السياسة الأميركية بين المثالية المحبذة لدعم المعارضة والواقعية الداعية إلى مراعاة حاجة دول الجوار. حال السياسة الأميركية هي أنه مع التلكؤ والفشل في الخطوات التفردية الضخمة التي أقدمت عليها حكومة بوش في العراق وما يتعداه، ومع إمساك خصوم الرئيس بالسلطة التشريعية وتراجع تأثير المحافظين الجدد، ومع تولي دعاة الخط الواقعي المسؤولية في كل من وزراة الخارجية ووزارة الدفاع، أصحبت ذخائر المثالية ومبدأ بوش محدودة. بل ان الحديث لتوّه في أوساط الرئيس بوش عن التركيز الذي سوف يكون على الوزن المعنوي لا السياسي لمبدئه، ربما في إطار «مؤسسة الحرية» التي تنقل عنه الرغبة بتأسيسها بعد انتهاء ولايته. وفيما المعارضة في بورما ما زالت تحظى ببعض الدعم الأميركي، فإنه إذا كان لانتفاضة الرهبان أن تصل إلى النتائج المرجوة، فلا بد أن يكون ذلك على أساس المعطيات الداخلية والتي، للأسف، لا يبدو أنها متوفرة، دون الاقتصار على الدعم من مبدأ بوش، والذي رغم قدره المتواضع قد بلغ حدوده القصوى. نقلا عن دار الحياة
|
||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|