|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
مختارات متنوعة
عناد الأرمن على الحق | عناد الأرمن على الحق |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 14 تشرين الأول 2007 الساعة 15:41 | ||
|
عناد الأرمن على الحق: ما يمكن استلهامه من الانجاز المتحقق
لي صديقة شابة، أرمنية لبنانية، أخبرتني مرة أنها بصدد السفر إلى الولايات المتحدة للاشتراك في مسيرة طويلة إحياء لذكرى ضحايا المذبحة التي ارتكبت بحق الأرمن في أواخر أيام السلطنة العثمانية. كان حديثاً عرضياً لم أدر له بالاً، وأغلب الظن إني اعتبرت الحدث من قبيل الفولكلور. ثم عادت فكررت سفرها على نفقتها في السنتين الماضيتين، رغم تواضع إمكاناتها المالية، وروت تفاصيل عن المسيرة: آلاف المشاركين من أنحاء العالم، مئات الكيلومترات المقطوعة سيراً على الأقدام على امتداد ثلاثة أسابيع، تتخللها محطات للقاء الفعاليات المدنية والرسمية في مختلف الولايات التي تخترقها المسيرة والتي تمددت نحو كندا، درجة التنظيم التي تحيط بها وتُعنى بكل التفاصيل، بدءاً من الخطاب المحمول وانتهاء بالغذاء المجاز والمدروس ليقاوم الإرهاق. منذ يومين، صوتتْ لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس على قرار يصف المجزرة المرتكبة بحق الأرمن في تركيا بين 1915 و1917 بالإبادة. ويفتح تبني القرار الذي نال أغلبية 27 صوتاً مؤيداً مقابل 21 صوتاً معارضاً، الطريق أمام عرضه على الكونغرس بمجلسيه. حدث ذلك رغم التدخل العلني والقوي للإدارة الأميركية، وللرئيس بوش شخصياً، ضد القرار الذي «يضر بمصالح الولايات المتحدة» في «هذا الوقت»، حسب التعبير المستخدم من الرئيس الأميركي، الذي زاد أن تركيا هي حليف أساسي للولايات المتحدة في الناتو وفي «الحرب على الإرهاب»، وان هناك طرقاً أخرى أفضل لمعالجة الموضوع. ثم قدمتْ كوندوليسا رايس وسائر المسؤولين الأميركان التفاصيل: تهدد السلطات التركية بإغلاق قاعدة انجرليك أو على الأقل بعرقلة العمل عبرها! يمر 70 في المئة من النقل العسكري الجوي الأميركي المخصص لأفغانستان والعراق عبر هذه القاعدة، وتسهل تركيا مرور 95 في المئة من العتاد العسكري الأرضي الأميركي نحو العراق، وبالأخص ناقلات الجند المصفحة... وصفت السلطات التركية القرار بأنه «خضوع لاعتبارات سياسية داخلية صغيرة» – من صغائر!- على حساب المصالح العليا، وأبدت غضبها الشديد. هذه بدايات أزمة، لا تناسب بالتأكيد السعي الأميركي لضبط الوضع في العراق الذي تحتل فيه تركيا مكانة خاصة، ليس فحسب بسبب خدمات قاعدة أنجرليك تلك، وإنما لأن الملف الكردي متفجر، وبخاصة في «هذا الوقت»، حيث قرر مجلس الوزراء التركي، بعد ضغوط هائلة من الجيش، إجازة التوغل داخل العراق عند اللزوم لملاحقة ميليشيا حزب العمال الكردستاني، بحسب الحجة الوحيدة العلنية أو الرسمية، التي تليها أسباب لا تقل عنها حضوراً، ومنها، إذا لزم الأمر، تحقيق توازن على الأرض بوجه اتجاه كردي عراقي متعاظم لتفعيل الفيدرالية إلى حدود تعزيز ملامح الاستقلال الفعلي، وأيضا لمعالجة خطر ابتلاع كركوك المتنازع عليها والتي تعتبر موئل التركمان في بلاد الرافدين، وأحد أهم المراكز النفطية. وفي «هذا الوقت» أيضا، تستعد واشنطن لاستكمال كافة الترتيبات اللازمة واستجماع الشروط الضرورية لشن حرب على إيران وسورية، إذا ما رُجح هذا الخيار. ورغم أن تركيا قد لا تكون المكان الملائم لارتكاز مثل هذه الحرب، شأنها في ذلك شأن البلدان العربية الحليفة لواشنطن والتي يستقبل بعضها قواعد عسكرية أميركية، وذلك لاعتبارات لوجستية تتعلق بنوعية الحرب المتصورة، ولكن وخصوصاً، لاعتبارات تعود إلى حقائق التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، مما يجعل المشاركة في مثل هذه الحرب وما سينتج عنها من كوارث إنسانية أمراً صعب التحمل والتخيل أو شديد الإحراج على الأقل... رغم ذلك، فواشنطن بغنى الآن عن أزمة من هذا النوع. كل ذلك يقع في باب السياسة المباشرة، تلك التي اعتدّ بها الرئيس الأميركي وفريقه لمحاولة ثني الكونغرس عما أقدم عليه. وأما طغيان منطق المصالح العليا ومقاييس السياسة المباشرة، فمألوف معتاد. إلا أن المثير هو المبادرة التي قام بها الأرمن والتي بدأت تعطي مثل تلك الثمار في الولايات المتحدة، حيث كان سبق لستّ وثلاثين ولاية، على رأسها كاليفورنيا، أن أقرت رسمياً صفة الإبادة (كما أقر البرلمان الفرنسي ذلك عام 2001 وتلاه قرار في العام الفائت يعتبر «إنكار» إبادة الأرمن جريمة يعاقب عليها القانون، متابعاً في ذلك تقليداً فرنسياً شديد الخصوصية). يقول المبادرون أنهم إنما يتحركون ليس ملاحقة لمطلب، بمعناه السياسي المباشر، بل لإعادة النصاب إلى حقيقة تاريخية، لانتزاع اعتراف وإقرار يساعدان في منع تسلل النسيان إلى جرائم من هذا القبيل، تعددها بياناتهم، وهي تشمل ليس فحسب إبادة اليهود على يد النازية في الحرب الثانية، بل إبادات أخرى تخترق القرن العشرين، المثقل بها بعد أن افتتحته قصتهم هم، وحتى لا تتكرر في القرن الحادي والعشرين الوصمة ذاتها. فهو إذاً ضد النسيان، ذاك الذي اعتد به هتلر حين بدأ إبادة البولونيين في مطلع الحرب الثانية. وإذ سُئل عن المحاسبة، قال: «ومن يتذكر إبادة الأرمن اليوم؟». وهو تحية لكل ضحايا الإبادات وليس فحسب للمليون ونصف مليون أرمني – بحسب أرقامهم. هي مسيرة للإنسانية كما تقول شعاراتها، تندرج في هاجس ترسيخ فكرة الحق بشكل عام كمعيار قيمي وأخلاقي سام، ومن أجل الدفاع عن حقوق الإنسان. وهذا كله يفتح أمام تلك المبادرة أفقاً رحباً لمخاطبة كل الناس من جهة، وهي من جهة ثانية تتبنى مقاربة نموذجية في طرح مسائل تزداد أهميتها اليوم، مع طلائع البربرية الجديدة التي تجتاح العالم وتلحق تدميراً منهجياً بالمفاهيم التي حملتها حقبة الأنوار نفسها وتحولت إلى معايير فكرية وقانونية ومؤسساتية، وإنْ معتدى عليها طوراً أو معتدى بإسمها في أطوار أخرى. وهو شأن يمكن تأكيده بعيداً من كل سذاجة وملائكية، تضفي بياضا مطلقاً على ثورة الأنوار، أو على التقدم الحاصل بفضلها، والذي كان يحمل داخلياً، وفي كثير من الأحيان، عناصر انتكاسه وليس مجرد عجزه عن متابعة خط بياني لا وجود له أصلاً في التاريخ الإنساني. وهي نموذجية كأسلوب في المقاومة المدنية، سبق للشبان المتحدرين من الهجرة في فرنسا وبالأخص منها العربية، أن تبنوه في مسيرة «البور» - كما يسمي العرب انفسهم - في الثمانينات، وهي المسيرة التي تؤرخ لولادة جيل جديد وانتهاء حقبة. كما يتبناه حالياً المناهضون للزراعات المعدلة جينياً الذين كثيراً ما يقومون بمسيرات تجتاز مئات الكيلومترات وتدوم أياما عدة، كتلك التي وصلت البارحة إلى أبواب باريس بعد أن قامت في طريقها بمئات الفعاليات والاتصالات، وحملت إلى العلن المنظور قضيتها، سيما وان منظميها تعرضوا لكل أنواع التشنيع لأنهم كذلك «يقطفون» قبل أوانها الحقول المزروعة بتلك الزراعات، وقد أقرت لهم، بعد صراع، بعض المحاكم بالحق في هذا التدخل بسبب «الطابع الملح للضرر». وهو مبدأ مستقى من حقوق الإنسان ويناقض مفهوم قداسة الملكية الخاصة– وكان ذلك قبل وصول ساركوزي إلى السلطة ومعه وزيرة عدله «ذات الأصول العربية» رشيدة داتي. ومن السخف بالطبع وضع هذا الأسلوب في تعارض مع أساليب النضال الأخرى أو المفاضلة بينها بطريقة نابذة. هذا كله علاوة على ما يؤدي إليه مثل هذا التحرك من تحقيق «الجماعة»، بمعنى الانتماء إلى كتلة حية، فاعلة ومتضامنة، متماسكة ذاتياً ومنفتحة على الجميع... وألفت إلى إني لم أذكر، ولا مرة واحدة، فلسطين وشجون العمل لحمل قضيتها أو لمساندتها، ولا مسألة مناهضة الحرب وهموم بناء حركتها! نهلة الشهال - دار الحياة
|
||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|