إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الحرية الإلهية
الحرية الإلهية Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
16 تشرين الأول 2007 الساعة 16:10
(ما رأيتُ شيئا ً، الاّ ورأيتُ الله فيه)
- الحلاّج -

في سعي الحلاّج لإدراك المنظور، عمل على إشارات الآيات القرآنيّة (ما كذب الفؤاد ما رأى)، و (ما زاغ البصر وما طغى)، و (عند سدرة المنتهى)، لإيضاح مدلول (قاب قوسين).
اي انّه وثّق المكان، وسعى الى ما هو أبعد من الاقتراب، في حدود الغايات الايمانيّة، وتأليف الرؤية ذاتها.
وربط بواقعيّة التجربة الصوفيّة، ما جرى للنبي موسى، كما جاء في سورة القصص - الآية 29 (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله، أنس من جانب الطُور ناراً، قال لأهله امكثوا إنّي أنستُ نارا، لعلّي اتيكم منها بخبرٍ أو جذوةٍ من النار). ويوثّق هذه الإشارة بثانيةٍ وردت في سورة طه -الآية 10 (لعلّي اتيكم منها بقبسٍ أو أجد على النار هدىً).
انّ عبقريّة هذا الربط الجدلي بين الوقائع والرموز القرآنيّة، مهّدت البحث في التجربة الصوفيّة، عمّا هو أبعد ممّا توقّف عنده النبيّان محمد وموسى، في رحلتيهما الايمانيّة، وأكثر ممّا ارتضيا به من إشاراتٍ. اي إن كانا قد اهتديا بالخبر، دون تحقيق النظر، أو دون ان يسعيا الى الرؤية، فمن حق مقتفي الأثر، من صفوة المؤمنين، ان يواصل ذات الطريق، الى ما هو أبعد من الاشارة، وما بعد الخبر، ليكون واصفا ً للحق تعالى، وممتزجا ً به، وشاهدا ً منه وإليه.
في هذه الرؤية المنهجيّة التوحيديّة، يصبح المكان الإشاري في الآيتين السابقتين، ليس لتأكيد جغرافيّة الموقع: (من الشجرة) و (من جانب الطور)، كما هي في النص القرآني، انما يصبح الصوفيّ في رحلته الايمانيّة هو الشجرة ذاتها، وهو ذات الطور بمعنىً ما. فيصبح المكان في المفهوم الصوفي ذا بعدٍ برزخيّ روحي، يرى من حوله الاشياء، ويتّصل بها، كمدلولاتٍ ضمن وحدةٍ واحدةٍ للوجود، تدلّ على حضور الله في كلّ شئ.
فالشجرة هنا، ليست شيئا ً موصوفا ً، انما واصفا ً ومرشدا ً ودليلا ً. وفي رحلة الكشف النورانيّة الربّانيّة، يسمو التصوّر على التمييز بين الدليل والمدلول، بين المحبّ والمحبوب، بين الخالق والمخلوق، ويبات الاستغراق في ذات الله، موطنا ً وملاذا ً لذات الانسان، بعد تحرّرها من عبوديّة الجسد وأغلال النفس وأمور الدنيا.
هذا المنهج الفكري، لا ينحاز فقط الى حريّة الانسان وإرادته، انما الى أقصى ما تحتمله فكرة الحريّة من تجاوزٍ لحدود الممنوع والمسموح، ومفهوم المقدّس والمدنّس - التي يقول بها السلفيون -، لاغراضٍ تخدم تطلعات الطبقة السياسيّة الحاكمة، لفرض سيطرتها على البلاد والعباد. بينما رأى الصوفيون الأوائل في نصوص الدين، ما يمجّد عقل الانسان وإرادته، وبحثوا بمنهجٍ فلسفي - روحي، كل ما يدعو الى الثورة والاصلاح الشامل، للكثير من الاشكالات المرتبطة بعلاقة الخالق بالمخلوق، والوالي بالموالي، والسلطة بالمجتمع، والتوحيد بوحدة الوجود، وسواها. ومنحوا حروف اللغة وخطوطها، دلالاتٍ فلسفيّة وفلكيّة وروحيّة، شحنتها بطاقةٍ إبداعيةٍ - إيحائيةٍ لا تنضب، ورأوا الله في كلّ حرفٍ ونقطةٍ وخط، ورأوه في كل الاشياء الاخرى، كما قال الحلاّج: (ما رأيتُ شيئا ً، الاّ ورأيتُ الله فيه).
هذه النظرة التثويريّة في النص الصوفي، زاوجت في مسار الحركة الفكرية العربية - الاسلاميّة بين التأمّل العقلي في النص، وبين المشاعر والعواطف الانسانيّة المتحرّرة من سلطة الرقيب.
واستطاع الفكر الصوفي مبكرا ً - منذ القرن الثالث للهجرة - أن يقدّم رؤية ً احتجاجية ً متماسكة ً، ضد أصحاب الرؤية السلفيّة، الذين كبّلوا الفكر والمجتمع بالممنوعات والعوائق، وأرهبوا المفكرين والمجتهدين واصحاب النظر العقلي بالعنف والمطاردة والاغتيال.

إرادة إبليس وفرعون وعزرائيل:
بحث المتصوّفة ضمن ما بحثوا، مسألة صراع قوى الخير والشر، والنور والظلام، الذي عملت عليه أغلب الحضارات، واعتبروه منهجا ً للبحث عن الحقيقة، واشتركوا مع القائلين بمبدأ تجاوز المادة ورفض التجسيد، وسلّموا بقوى النور والظلام، وبحثوا - على يد الحلاّج - في كيفيّة التواصل والاتصال بين طبيعة الحياة في الأزل، وطبيعتها في الأبد. اي بين أشكال الوجود في الماضي، في أزمنةٍ لا نهائيّة، وبين أشكال الوجود في المستقبل، في أزمنةٍ لا نهائيّةٍ ايضا ً. وكذلك بين الروح القديمة التي خلقتها قوى النور، وبين الروح الانسانيّة المخلوقة حديثا ً. ومن ناحيةٍ اخرى، بين قوى الظلام والشر، والنور والخير، قديما ً وحديثا ً.
فأشار الحلاّج في آياته - اي طواسينه - الى انّ إبليس وعزرائيل وفرعون، هم رمز واحد لإرادةٍ صلبة في طريق البحث عن الحقيقة، وإن وُصموا بالشيطنة والإلحاد والكفر على مرّ الحضارات. كما انّ النبيّين موسى ومحمد، رمز واحد لإرادةٍ قويةٍ مؤمنةٍ بالخير وبالنور، وقنوعة بما اُحي لها من الإشارات. وبإصرار الإرادتين - القوتين، كرمزين للمعرفة الإلهية، فلم يسجد إبليس حين اُمر بالسجود، ولم ينظر الرسول حين اُمر بالنظر، كما جاء في الآية 17 من سورة النجم (ما زاغ البصر وما طغى). فكلاهما طلبا الرؤية - وان تباينت الاغراض -، فإبليس فعل بدعوى التميّز والغرور والتكبّر، والرسول فعل بدعوى الايمان والتضرّع والرضا.
في هذه الجدليّة الصوفيّة، نرى مفهوم التوحيد ضمن وحدة الوجود، التي فيها كلّ ماهو نور وخير وكمال في المخلوق منسوبٌ الى الخالق، وكلّ أفعال الظلام والشرّ منسوبةٌ بإرادتها الى إرادة الشيطان. وانّ هذين المفهومين نابعان من مبدأ الحريّة، هبة الله للإنسان، ليستمر الصراع بين النقيضين، بأفعالٍ إرادية، إختياريّة، تؤكّد مفهوم الحريّة الالهيّة الممنوحة للبشر.
فالشرّ فعل إرادي ما ورائي، يعود لقوىٍ أزليّة، خلقها الله ومنحها إرادة الحريّة بأفعالها، وعصيانها للأوامر الالهيّة، جعلها قوىٍ شيطانيّة منافية لمشيئته، وعاملة على إفساد صورته - التي هي الانسان - على الارض.
فأصالة الشر كأصالة الخير (من وجهة نظر الحلاّج) نشأتا منذ بدء التكوين. وإبليس هنا هو موحّد كبير، لكنّه اغترّ بما وصل اليه، فطلب تميّزه وفرادته، فطُرد من وطن اهل الصفوة، وحلّت عليه اللعنات، فبقي مصرا ً على دعواه، وماضٍ في طريقه الى الحق، حسب قناعاته هو، لا كما يرسمها له الاخرون.
النبيّ موسى كفّ عن سؤال الرؤية، بعد ان قال له ربّه (انظر الى الجبل)، بينما أصرّ إبليس على عدم السجود، لا بل طالب بالمزيد من الوصل والرؤية والكشف. أمّا فرعون الذي يقول عنه الحلاّج بانّه تجاوز الاسم، ووصل مرتبة الفتوّة بإصراره على إكمال دعوته. لكنّ ازمة فرعون لا تكمن في عدم سجوده لموسى، رغم إيمانه بالله الذي آمنت به بنو اسرائيل، انما في طموحه لتنصيب نفسه إلها ً على آل فرعون استكبارا ً واثما ً وإلحادا ً. وانّ توهّمه بالألوهيّة، قد حرف إرادته الى مصير مضاد، تمثّل في غرقه في البحر، وذلك كان بمثابة إشارة اليه لان يرعوي ويعقل ويتوقّف، لكنّه لم يقرّ ولم يعترف بالإشارة، وواصل زعمه الالوهة، كما ورد في الاية 38 من سورة القصص (وقال فرعون يا ايها الملأ ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري)، وكذلك في ذات السياق يأتي دور إبليس الذي لم يسجد لآدم، قائلاً (أنا خيرٌ منه) كما في الاية 12 من سورة الاعراف.
على أساس هذه المناظرات المتعمّقة، دعا الحلاّج الى التوحيد الخالص لوجه الحق، باستغراقٍ تام، وإرادةٍ إنسانيّة تؤثره على كلّ شئ، وهو موطن العدل والنور والحريّة.
كما قال في أكثر من خطبةٍ أو قصيدةٍ أو مناظرةٍ له، بانّه لن يحيد عن دعوته التوحيديّة هذه، ولن يعود عنها، وإن عُذب أو صُلب - كما تنبّأ هو لمقتله -. لا بل انّه رأى في اسلوب مأسآة تعذيبه المتوقّع، بشارةً لقربه المنشود. وكما حدث حقّا ً، فانّ عملية جلده وصلبه وتقطيع أوصاله، كانت الخطوات السلوكيّة العمليّة الاخيرة، في طريق امتزاجه بينبوع العدل والنور والحريّة. وهنا لابدّ من ان نشير الى انّه بعد ايّام معدودة من هذا الشهر، تمرّ ذكرى مرور 1085 عام ميلادي على مأسآة الحلاّج وصلبه وإعدامه

المصدر: إيلاف

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم