|
|
مختارات متنوعة
كازانتزاكيس يصرخ: الحرية أو الموت | كازانتزاكيس يصرخ: الحرية أو الموت |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 26 تشرين الأول 2007 الساعة 15:15 | ||
|
لا خيار ثالث كان أمام أهالي "ميغالو كاسترو" في كريت باليونان فإما الحرية أو الموت. الحرية هنا تعني الحياة. الحياة بمعناها الحقيقي، معناها الذي يجعلها صالحة للعيش كما يجعل منها تجربة ذات مذاق يقلل من احتمالية الندم عليها في النهاية. يكتب كازانتزاكيس ( ) 19571833عن مدينته التي ولدت فيها وعن ناسه البسطاء الذين ناضلوا من أجل أن يعيشوا حياة الكرماء. ناسه الذين شعروا بالحرية وهم تحت الاستعمار لأنهم ناضلوا من أجلها، ناسه الذين قال أحدهم في الرواية "إنني أصبح حرا حتى في رق العبودية، حين استمتع بحرية المستقبل... حرية الأجيال القادمة ،وعندما أقاتل في سبيل الحرية طوال حياتي فإنني سأموت إذن رجلا حرا ". الحرية تكمن في السعي إليها حتى ولو لم تتحقق في الوقت الحالي، يكفي أن تكون للأجيال القادمة. هنا درس عميق يجب أن ندركه.
كازانتزاكيس حصل على شهرة كبيرة في العالم فهو صاحب إحدى أشهر الروايات العالمية "زوربا اليوناني" وكاد أن يحصل سنة 1956على جائزة نوبل لولا أن صوتا واحدا فقط حوّلها إلى الكبير "ألبير كامو" الذي علق قائلا "كان كازانتزاكيس يستحق هذا الشرف مائة مرة أكثر مني". ولد نيكوس كازنتزاكيس في 18شباط من العام 1883في جزيرة كريت، وأمضى طفولته في هذه الجزيرة التي خاضت حرباً ضد الأتراك لنيل استقلالها، وكان والده (الكابتن ميخائيل) ضمن الذين حاربوا الأتراك . على الرغم من أن والده لم يكن متعلما، فقد أراد لابنه أن يكمل تعليمه لأنه كان يؤمن: "بأن النضال لا يقتصر على القتال، بل يكون أيضاً بالعلم" لذا أرسل ابنه لدراسة الحقوق في مدرسة القانون في أثينا. حصل كازنتزاكيس على شهادة الدكتوراه في الحقوق عام 1906، ثم سافر لدراسة الفلسفة في باريس حتى عام 1909وأصبح أحد أشهر طلاب الفيلسوف الفرنسي بيرجسون. أمضى كازنتزاكيس معظم فترة شبابه في رحلات تأملية، حيث اعتكف في جبل آثوس، وزار العديد من أديرة اليونان وكنائسها. كما زار القدس وسيناء ومصر. كما سافر إلى العديد من دول العالم، الأوروبية منها والآسيوية، مثل أسبانيا، الصين، اليابان، روسيا، فرنسا، الهند، إيطاليا وبريطانيا. تزوج في عمر متأخر من صحفية وكاتبة يونانية تدعى إيليني. ولأنه كان يفضل العزلة، لم تكن زوجته تلتقي به إلا عشرة أيام فقط في السنة، وذلك في عقد عائلي سُمِّيَ عقد "الأيام العشرة". كتب الشعر والرواية و السيرة والرحلات وهو صاحب الأوديسة الحديثة التي تتكون من 33333بيتاً. أنتج من رواياته أربعة أفلام سببت الكثير من الإشكالات الفكرية والدينية وهي: الهوى اليوناني، زوربا، الإغواء الأخير للمسيح و الإسكندر الأكبر. علاقة كازانتزاكيس بالشعر تشبه علاقة الروح بالجسد بحيث لا يكون لأحدهما معنى دون الآخر يقول في علاقته بالشعر "أحاول طرد الشعراء من مكتبي، والشعرَ من قلبي. فليتنحَّ هوغو لسافينيي، ولامرتين لجيرِنغ، والشعرُ للواقع. ومع ذلك، أمامي، في اللحظة التي أكتب إليك فيها، فتحتُ دانتي ومانزوني، فيما مكتبي مزيَّن بهوغو وسولوموس. ومع ذلك فمن الضروري أن أصير محاميًا. صراع رهيب يحتدم فيَّ، وآمل أن أحبَّ الحقوق. غير أن الشعر يستحوذ عليَّ. إنه مثل ساحرة عاشقة جميلة، في نهديها ينسى المرء كلَّ العذابات وفي نظرتها يشعر بارتعاشة اللذة". في كتابه المترجم للعربية "تقرير إلى غريكو" يحكي كازانتزاكيس رحلته مع قلق الأسئلة. القلق الذي جعل من حياته بحثا عن الإجابة. سافر كثيرا واتصل بمجموعات مختلفة من الناس ودرس الفلسفة، تأثر بنيتشه كثيرا فهو كما يقول عنه" ؟ وما الذي طلب منَّا أن نفعله بالدرجة الأولى؟ طلب منَّا أن نرفض العزاءات كلَّها: الميتافيزيقا والأوطان والأخلاق والحقائق، وأن نظلَّ منعزلين دون أصحاب ورفاق، وأن لا نستعمل إلا قوتنا، وأن نبدأ في صياغة عالم لا يُخجِل قلوبنا." إلا أن الدين كان حاضرا دائما في فكر كازانتزاكيس، ليس حضور الإيمان المطلق بل حضور التفكير والتأمل، شخصية المسيح بالنسبة له شخصية أساسية، ولكن المسيح في نظره ليس المسيح الذي يعرفه المؤمنون، بل هو كما صوره في رواية وفيلم الإغواء الأخير للمسيح إنسان مشغول أيضا بالأسئلة الوجودية، شخصية تراجيدية تعيش حياة مليئة بالتوتر والانشطارات. إنسان كان عرضة للشكوك والمخاوف، إنسان يمثل الصراع بداخله الطبيعة البشرية. طبعا لم تسكت الكنيسة على هذه الهرطقة وأدخل الكتاب ضمن الكتب الممنوعة، ومنع الفيلم من العرض على المسارح الإغريقية ولكن كازانتزاكيس رد عليهم قائلا بهدوء وثورة "أعطيتموني اللعنة فأعطيتكم البركة، عسى أن يصبح ضميركم نقيا كضميري، وعسى أن تصبحوا أخلاقيين و متمدنين مثلي". الحرية أو الموت هي قصة كفاح أهالي قرية "ميغالو كاسترو" في كريت باليونان، من أجل الحرية والاستقلال من الحكم العثماني. هذه القصة حدثت في نهاية القرن التاسع عشر، القرن الذي شهد في نهايته تغيرات وتحولات سياسية كبيرة فالإمبراطورية العثمانية كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة و ميزان القوى اختلف مع التوسع المستمر لبريطانيا وفرنسا. لم يقف أحد مع أهالي كريت في نضالهم ضد الاستعمار ولم يكونوا هم يعتمدون كثيرا على هذه المساعدة، صحيح أنهم أرادوها وسعوا إليها لكن نضالهم لم يتوقف عليها. ليس الرواية عن سيرة كفاح شعب كريت بل هي عن كل تفاصيل هذا الشعب، عن حياته، روابطه، معتقداته، عاداته، انفعالاته، صراعاته، أحلامه. هي عن إنسان كريت بكل تناقضاته. الرواية عبارة عن صورة شديدة الوضوح والدقة عن إنسان كريت. كنت أتذكر باستمرار مع قراءتي للرواية، عوالم حنّا مينه، الروائي السوري الكبير، روائي البحر. إنسان حوض البحر المتوسط هو المشترك بين مينه وكازانتزاكيس. من المصادفة أن يعيش كل من الروائيين في فترة زمنية متقاربة، متقاربة في الظروف والأحداث فشعوب هذه المنطقة عاشت في هذه الفترة صراعات طويلة مع الاستعمار والتقلبات السياسية الحادة. بدا لي أن إنسان كريت هو إنسان اللاذقية، فالرجل القوي، الشديد الذي يكره الضعف والضعفاء، الرجل "الأبضاي"، الكابتن ميخائيليس في الرواية هو رمز هذه القيم. الرجل الذي يرفض الرضوخ ولو حتى لنداء القلب. رجل يبدو عدواني تجاه الكل رغم أنه يقدم حياته من أجلهم. المرأة في الرواية هي المرأة الشرقية، المرأة المسحوقة، المقموعة، ولكنها ذي ذات الوقت تكاد تكون هي المحرك الأول للأحداث، المرأة التي يحتقرها الرجل في وعيه ولكنه يبحث عنها ويعيش من أجلها في لاوعيه. في ميغالو كاسترو بكريت عاش الكريتيون المسيحيون والأتراك المسلمون وفي الرواية يظهر دور الدين في الصراع بين المستعمرين والمواطنين الأصليين. الدين هنا يلعب دورين متناقضين، فهو من جهة شعار الصراع ورمزه الأول فالأتراك ينظرون للكريتيين بوصفهم كفاراً، وتتصاعد هذه الصفة مع المواجهات لتكون مبرر القتل. وفي ذات الوقت تمثل المسيحية للكريتيين الرابطة الأولى والانتماء الذي يجمع الناس ويشد من عضدهم وقت الأزمات. من جهة أخرى يلعب الدين دورا مختلفا فهو أيضا مبرر إيقاف القتال والعودة للسلم، فدعوة المسيح ومحمد واحدة تنهى عن القتال وتدعو للتسامح. هنا يصور كازانتزاكيس تاريخ الدين ودوره في الصراع البشري بوصفه كان ولا يزال أداة تبرر وتمرر أهواء البشر ورغباتهم. الحرية هنا ليست حرية من الاستعمار فقد بل هي أيضا حرية على مستوى الروح والفكر، الحرية التي تفتح الأبواب مشرعة أمام الأسئلة والمراجعات. نجد في الرواية جدا كريتيا يتساءل في آخر لحظات حياته، وهو الرجل المناضل وأب المناضلين، يتساءل في آخر لحظاته أسئلة كبرى، أسئلة عن الحياة بكاملها، كما أنه يستحث مجايليه إلى التفكير ذاته وينصت إلى إجاباته. بعد هذا العمر الطويل يشعر الجد بالتوهان ويطلب النور. في آخر اللحظات يتحقق التحرر كما أن التحرر من الاستعمار هو نهاية الطريق التي يؤمن بها ويراها كل المناضلين النهاية التي لم تغب عن عين "الكابت ميخائيليس" حتى النهاية. ميخائيليس الذي كرهه الكل حتى أنا ولكنه قدم حياته من أجل حرية ميغالو كاسترو. نقلاً عن الرياض السعودية.
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|