إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow غوغول وكافكا وكارفر بحسب عاموس عوز
غوغول وكافكا وكارفر بحسب عاموس عوز Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
28 تشرين الأول 2007 الساعة 12:13
بداية القصة ... غوغول وكافكا وكارفر بحسب عاموس عوز
نزار آغري - الحياة
قراءة القصة القصيرة، أو الرواية، متعة خالصة يشعر بها القارئ منذ الكلمة الأولى. تبدأ المتعة ابتداء من العنوان. العنوان هو البوابة التي تقود إلى الفسحة الداخلية للرواية. البداية، السطور الأولى، الفقرات الأولى، الافتتاحية، المقدمة، تلك هي مرادفات اللفظ للممر الذي يقود من البوابة إلى الداخل. إنها العتبة الأولى.

من هناك نطل على العالم الممتد أمام النظر. هناك ينهض الانطباع الأول. من النظرة الأولى تثور في أعماقنا براكين الفضول والترقب والرغبة والفرح والمفاجأة. وعلى الفور ندخل إلى عالم الرهبة الساحرة.

يحاول الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز أن يقارب القصة والرواية من هذا الباب. السطور الأولى هي بداية النص. هي بابه. أية مقاربة أخرى ستكون التفافاً على القلب وستكون المتعة المقطوفة ضئيلة. يقول عاموس عوز ان بعض المتدخلين في الأدب يسعون في أن يطرقوا الأدب بمطارق ثقيلة ويعصروه حتى الرمق الأخير ليروا فيه رسالة أو غاية أو هدفاً أو أمثولة في الأخلاق والدين والسياسة وسوى ذلك. لكنهم لا يفطنون إلى الرحيق الذي يسري داخل النص الأدبي خصوصاً من دون حمولات متطفلة ويتعين أن نأخذه لنستلذ بطعمه.

غالباً ما ترسل إلي الدعوات، يقول عوز، لألقي محاضرة هنا أو هناك حول «انعكاسات الصراع العربي - الإسرائيلي في الأدب» أو «تأثير الانتفاضة في الأدب» أو «البعد الاجتماعي للرواية الحديثة» وما يشبه ذلك. إنهم يفكرون في كل شيء باستثناء الأدب نفسه. أي أنهم يريدون للأدب أن يكون شيئاً آخر غير الأدب. أن يكون مجرد مرآة تعكس أشياء أخرى. ولكن لماذا عليه أن يكون كذلك؟

في قراءاته للقصص والروايات، التي أنجزها في عدد من المدارس والجامعات، وجمعها في كتاب تحت عنوان «بداية القصة، مقالات في الأدب»، يشدد عوز على أن متعة القراءة هي جوهر الأدب. في الكتاب تمرين على استكشاف جسد النص الروائي والقصصي، عارياً، والتعرف إلى سحناته وملامحه وأسراره من دون كشافات خارجية. اكتشاف جمال جسد النص الروائي والقصصي يبدأ من هناك: من النظرة الأولى. من السطور الأولى.

الرواية هي بدايتها. من البداية تتهيأ الأرضية للتعرف إلى البنيان الاستتيكي للنص. وكل روائي وقاص، يمنح كائناته قواماً مبتكراً هدفه جلب الانتباه وانتزاع الإعجاب.

هذه قراءات لقصص وروايات لكتاب من جهات العالم ومن أزمنة مختلفة. من الروسي غوغول والتشيكي كافكا وصولاً إلى الأميركي ريمون كارفر.

يترك الأنف صاحبه ويروح يتجول في المدينة مرتدياً بدلة رسمية محبوكة بخيوط ذهبية. يستأجر عربة كي يتفرج على أرجاء المدينة، يقابل الناس، ينحني أمام النبلاء ويصلّي في الكنيسة، غير أن رجال الشرطة يعتقلونه عندما يهم بمغادرة المدينة والذهاب إلى ريغا بجواز سفر حكومي. هكذا تبدأ قصة الأنف لغوغول.

العقيد كوفيالوف، صاحب الأنف، يظهر في القصة في وقت متأخر. إن أنفه يسبقه في الظهور على مسرح الأحداث.

يبدأ غوغول القصة على هذا النحو: شيء غريب وقع في بطرسبورغ في الخامس والعشرين من آذار (مارس). ثم يتوالى السرد دافقاً، متسارعاً، تفصيلياً بحيث لا يترك الراوي للقارئ فسحة للتوقف والتأمل في ما يجري أمامه (بين سطور القصة). تبدو القصة، في مفتتحها، مثل نص محضر بقلم أحد رجال الشرطة: وصف لواقعة «غريبة» بالتفصيل الممل بما في ذلك اسم المدينة وتاريخ الوقوع وعنوان المنزل. الواقع المعيوش في روسيا بتفاصيلها الاجتماعية وتراتبها الطبقي وانتشار الرذائل والآفات الأخلاقية.

كافكا وتشيخوف

في ليلة ثلجية عاصفة يستدعى الطبيب الوحيد الذي يسكن الريف، بعيداً من المدينة، لزيارة مريض يرقد في سرير في بيت معزول. على عجل يرتدي الطبيب ملابسه ويجمع أدواته ويستحضر عربة لتأخذه إلى بيت المريض على رغم العراقيل الكثيرة التي تقف في طريق رحلته. غير أنه لا ينجح في مساعدة المريض بشيء.

في الأخير يجد نفسه «وقد صرت عجوزاً، في عربة سماوية، بأحصنة سماوية، تائهاً في الطريق». في نهاية القصة يقول الطبيب: «مغدور، مغدور، تلبية نداء كاذب في الليل أمر سقيم لا يمكن إصلاحه، أبداً». هذه النهاية المحبطة تحيل إلى البداية حيث يمكن القارىء أن يتحرى عن الخطأ الذي ارتكبه الطبيب والذي فات وقت إصلاحه الى الأبد. لو أن الطبيب كان يعرف حقيقة الاستدعاء وغايتها لما كان خاطر بالرحلة المنهكة في تلك الليلة الثلجية ولما كان وصل إلى النهاية المفجعة تلك. ولكن من الذي استدعاه؟ أين هو الخطأ الذي ارتكبه الطبيب؟ أهو تلبيته نداء المريض؟ هل كان يعلم أن النداء باطل وأن الرحلة ضرب من ضروب العبث؟ هل كان في وسعه، على أي حال، التهرب من نداء الواجب في أن يذهب لمداواة المريض الراقد على فراش المرض وربما الموت؟ وكيف له أن يعرف أن النداء كاذب في الأساس؟

نجد، نحن القراء، الطبيب وقد مثُل أمام هيئة من القضاة لا وجود لهم وهو يدافع عن نفسه أمام تهمة لم يرفعها في وجهه أحد. إنها المعضلة الكافكاوية إياها. الضعف والقلق والحيرة والعذاب أمام قوة غامضة. ملامح النص الكافكاوي واضحة منذ السطر الأول في هذه القصة. قصة «طبيب الأرياف» لفرانز كافكا. غير أن قصة «كمان روتشيلد» لأنطون تشيخوف تملك ملامح مختلفة. ثمة تلاعب بالخلجات والأماكن.

عنوان القصة يخدع القارئ في أربع نقاط. روتشيلد في القصة ليس روتشيلد، الشخصية اليهودية المعروفة. هو ليس عازف كمان. الكمان ليس كمانه. هو ليس بطل القصة.

الكمان يعود الى شخص اسمه ياكوف إيفانوف، وهو كاره لليهود، فظ وعديم الرحمة، يكسب قوته من صنع التوابيت وأحياناً من العزف على الكمان في الأعراس برفقة فرقة موسيقية يهودية.

العالم الذي يرسمه تشيكوف هو عالم مفتوح على العلاقات الدنيوية القريبة تتخللها المرارات ولكن أيضاً المباهج وتخيم فيها روح السخرية. ليس فيه ما يشبه عالم كافكا الكابوسي الخانق. غير أن ثمة ما هو جامع من جهة الإشارات المضللة في ملامح الشخصيات ومآربها وغاياتها وعلاقاتها ببعضها بعضاً وبما وراء القواعد المرسومة في الحياة اليومية. هناك قدر غامض واحد يسيطر هنا وهناك.

مورانته وماركيز

رواية إلسا مورانته: «تاريخ، رواية» هي رواية تاريخ. تاريخ عائلة وبلد وعالم. هي قصة إمرأة، معلمة، مصابة بالصرع. إيدا مانكوسو. قصتها مع ابنيها أنطونيو وجوسيبي (جوزيف). الابنان ولدا خلال الحرب العالمية الثانية، بعد أن قام جندي ألماني، هو غونتر، باغتصاب الأم مرتين قبل أن يلقى حتفه وهو في طريقه إلى الجبهة الإفريقية. غير أن الرواية هي، في الواقع، تلخيص لنصف قرن من «الصراع الطبقي» في العالم من وجهة نظر كاتبة مزجت الماركسية بالرؤية الإنسانية. البداية التي ترسمها الكاتبة تفتح البوابة واسعة أمام قرن كامل من الزمن. هناك حيث تهبط الأفكار على الناس مثلما تهبط الأمراض والأوبئة والكوارث. يتحرك الزمن بسرعة وتتبدل العلاقات والوشائج والأحوال، من حال إلى حال، وتنهض أجيال في مكان أجيال، لتجد نفسها أمام واقع جديد تبدل فيه كل شيء. ليس هذا حال العالم في رواية «خريف البطريرك» لغابرييل غارسيا ماركيز. في مفتتح الرواية يقوم حشد من الناس باقتحام القصر الرئاسي. يروي الراوي، الذي هو واحد من الحشد، كيف وجد الناس جثة البطريرك الذي كان حكم البلاد منذ مئات السنين بل ربما منذ الأزل.

كما في طبيب الأرياف نقرأ البداية في خريف البطريرك كجملة طويلة واحدة من دون توقف وليست هناك فجوات ثانوية في ثنايا القصة بل هناك مد وجزر في السرد تبعاً للأيام التي مرت على البلاد في أثناء حكم البطريرك؟ البداية هي النهاية. لم يسقط نظام البطريرك سقوطاً بل تداعى. لم يكن الزمن يسير خلال حكمه بل هو كان توقف وتعفن. وعلى رغم أن الرواية مكتوبة بصيغة الماضي، غير أنها تحفر في الحاضر أيضاً وتمضي نحو المستقبل.

بداية القصة هي الخلاصة النهائية: الحاضر. العثور على الجثة، هو بداية المستقبل واستمرارية الماضي. فالماضي سيواصل سيره منضوياً تحت أجنحة الحاضر. الطاغية لا يموت إلا ليبعث من جديد. إنه يموت ويحيا في شكل أبدي فكأنه خالد خلود الحياة. كل شيء يتعفن ويخرب ويتهاوى ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى توقف دولاب الطغيان الكامن في روح البطريرك وجسده. ها هنا لا مكان لموت الرمز النيتشوي. ها هنا لا يتوقف الحاكم ليعاين ما فعل بل يمضي إلى الأمام دوماً من غير تأفف أو ندم أو شعور بالذنب. ليست ثمة قيامة صاعقة مدهشة، بل تفكك أزلي كريه يبعث على الدوار.

بعيداً من الحضور الكلياني للسلطة والرحابة الشاسعة للتاريـــخ ينـــسج القـــاص الأمــــيركي ريموند كارفر لوحة صغيرة لعائلة صغيرة. أقل من لوحة. مجرد مـــشهد عابر ولكن يتضمن أطلالة على بؤرة متوترة وحـــارة تترك أثراً بعيداً في الذهن والنفس، لدى القارئ.

قصة «لم يقل أحد شيئاً» لريموند كارفر هي من مجموعة «هل لك أن تسكت، من فضلك؟». وهي قصة فتى يختلق الأعذار لتجنب الذهاب إلى المدرسة حيث يمكث في البيت وحيداً يتفرج على التلفزيون أو يذهب إلى النهر لصيد السمك. يلتقي بامرأة تثير الشهوة فيه ويصادف ولداً أسنانه منخورة ويروحان يصطادان معاً وحين يعود الفتى إلى البيت يجد أباه وأمه يتشاجران ويحاول أن يجلب انتباههما إلى السمكة الكبيرة التي اصطادها في النهر ولكنهما ينهرانه ويطلبان منه أن يرمي «ذلك الشيء النتن» في سلة النفايات. عنوان القصة، المفتاح، لا يتوضح إلا في النهاية حيث يتبين أن الولد كان ينتظر كلمات طيبة من والديه بخصوص السمكة المصطادة.

بداية القصة (العنوان الدقيق هو: القصة تبدأ) لعاموس عوز وصفة اقتراحات للنظر في القصة والرواية من زوايا أخرى غير زاوية الرسالة المبثوثة في تلافيف السطور. دعوة لأخذ النص الأدبي، في هيئته القصصية والروائية، بيد حنونة والتعرف إليه بهدوء واستكشاف قصته مبتدئين بمبتدئه: بداية القصة.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم