|
بقلم: محمد نورالله
|
|
14 آب 2006 الساعة 18:33 |
|
أعلنت ساعتي الثانية تماما بعد منتصف الليل، وصلت إلى ساعة بدأت شمعتي فيها بالتوهج والخفوت بشكل متتال في الظلام . عندما تذوي الشموع وتحتضر فهي ترفض الذهاب بهدوء، بل تصارع موتها لتطلق لهيبا عنيفا يرتفع في الليل معلنة رحيلها على صحن مليء بما بقي منها ومن حياتها.
وفي الليل لا يبقى الكثير. ربما حارس ساهر بينما ينام الناس في هدوء. تبقى تأملات الضوء والذنب، بعض المرح الصاخب، ربما بعض اليأس، في مكان ما. عندما يملأ أحدهم كأسا آخر لينسى أنه يشرب، عندما يجول لصوص الليل بين الأزقة، عندما يصوب أحدهم يده المذنبة إلى عنقه منتحراً. أو يناجي أحدهم إلهه في خشوع هادئ.
كم هو كئيب هواء الليل الحار في ضوء شمعتي المحتضرة، في صوت الساعة وهي تدق الثواني في رأسي، عندما أفقد كل كبرياء البشر ليأتي محلها كل فراغ البشر. لا أريد أن أقضي ليلي بين صفحات قديمة أو بين نفحات العصر البراقة. ربما سأطارد خطوات وحيدة تقود غرور البشر إلى العجز. منذ بعض ساعات كانت هذه المدينة مليئة بالأبهة و الكبرياء، وهي الآن تبدو كطفل أتعبته الفوضى التي أثارها فنام في سكون.
أعرف أن سيأتي يوماً تتحول هذه الوحدة الغريبة المؤقتة التي أشعرها إلى حالة دائمة تعم الكل. ستذوي المدينة كسكانها أيضا في التراب لتصبح صحراء ساكنة مثل ليلي الغريب. كم من المدن الكبيرة عاشت بهجة كهذه، عاشت عظمة وحيوية وإشراقا، كثير من المدن قطعت على نفسها وعدا بالخلود لتذوب آثارها بين أقدام مراقب مخبرة إياه بسهولة زوال البشر وأوهام وجودهم.
في تلك اللحظات المعتمة الميتة، تعيش بعض المدن بين الضوء والنار حياة لا حياة بعدها، مدن لا تقرأ التاريخ بل تعيشه، مدن تموت في نشوة ومدينتي تعيش الحزن الفارغ وهراء الأفكار البائسة والدعوات اليائسة.
ستستيقظ مدينتي الميتة غدا لتخفي بضوضائها وأضوائها نجوم الظلام وشموع الموت، وتنام مدن أخرى على عبق النار، لتستعد لليلة أخرى. أسئلتي بلا أجوبة، وأنا عاجز فارغ مثل ظلام المدينة التي اكتفت حساسية وحزناً لا معنى لهم ولا قيمة، منتظرة يوما تذوي فيه، أو يوماً تأتي فيه شموع تنيرها. صفقوا لي تحت الشمس في النهار, عندما تسير في دروب عسيرة الكل يصفق لك، الكل يبتسم, وجوه صادقة أو كاذبة، لن يجرؤ أحد على الإقتراب. لا معنى لذلك الآن, فالليل يسحق كل التصفيق، كل الجمال وكل الكذب، هو أصدق وأجلى, يسحق النبض والأنفاس, يحيل الدم رماديا أو أسود, يذكرك بمن رحل ولم يكن هنا أصلاً، بمن أحببت, من أحببت أن تحب، تلك النجوم البعيدة التي نراها ولا نصل إليها.أردت أن أخبرها أني قادر أن أجعل عالمها يدور إلى ما لا نهاية, لكني احتجت لأكثر من مئات الكلمات، احتجت لآلاف الأفكار, وكل ما أملك بضعة ساعات معتمة وحيدة فارغة.
أردت أن المس جلدك لأنسى العالم الذي يدور حولي آلاف المرات في فراغ العتمة, أردت آلاف الطرق لأعبر بها إليك، ولم أملك أياً منها... سترحلين قريباً كما رحلن عني من بعيد, وسيبقى عبق الكحول يملأ أحلامي, وأنفاسي تشتم عطرك, تسير وراء رائحة جلدك الندي، تسمع لهاثك الذي ملأني يوما وملأ ليلي الفارغ، ملأ مدينتي الميتة ووحدتي القاتلة، لهاثك الذي سحق وحدتي لحظات قليلة نيرة في ليلهم الفارغ الميت.
|