أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow صراعات فلاسفة أم صراعات سياسيين؟
صراعات فلاسفة أم صراعات سياسيين؟ Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
31 تشرين الأول 2007 الساعة 12:36
هاشم صالح

أعجبتني الفكرة التي أطلقتها المجلة الأدبية الفرنسية في عددها الأخير عن صراعات الفلاسفة عبر التاريخ. نحن نتخيل أن الصراعات الحادة وأحياناً الحاقدة، لا تحصل إلا بين رجال السياسة وزعماء الأحزاب وكل أولئك الذين يطمحون للوصول إلى السلطة بأي شكل. لا ريب في أن الصراعات السياسية تبدو أكثر ضراوة وتصل أحياناً إلى حدّ التصفية الجسدية بكل بساطة، بل وحتى في البلدان الديمقراطية قد تتخذ أحياناً طابعاً حاداً وإن لم يكن يصل إلى الاغتيال أو السجن كما يحصل في بلدان العالم الثالث. فهناك يجد المثقف نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مع السلطة، وإما في السجن، اللهم إلا إذا استطاع أن يهرب إلى الخارج ويعيش في المنفى.

والواقع أن الصراع في البلدان الديمقراطية يؤدي إلى إيضاح مشاكل المجتمع من كل جوانبها، لأنه يتم بشكل حضاري وعلى شاشات التلفزيون أمام ملايين المشاهدين. بهذا المعنى فإن الصراع، أو الحوار الحاد، هو الأداة الأولى للديمقراطية، لكن إذا تعذّر حلّ محله «حوار» من نوع آخر: أي الانفجار والضرب والعنف. وهذه هي للأسف حالة مجتمعاتنا التي يُمنع فيها التعبير الحر عن الرأي منعاً باتاً في أحيان كثيرة. من يستطيع أن يتحدث عن السياسة، أو الدين، أو الجنس، بشكل حر على التلفزيون؟ من يستطيع أن يعطي رأيه الصريح في القضايا الساخنة كمشكلة الأكراد التي تشغل المنطقة حاليا، أو كالمشكلة الطائفية والمذهبية الملتهبة هي الأخرى؟، ينبغي أن تتوقع كل أنواع الاتهامات، إن لم يكن التهديدات، بعد إدلائك برأيك الصريح. ومعلوم أن التعصب القومي التركي على طريقة أتاتورك، أو التعصب القومي العربي على طريقة البعث، يحول دون معالجة المسألة بشكل صحيح. كل مجتمع يمنع فيه الحوار يلجأ إلى العنف للتعبير عن نفسه. هذه قاعدة سوسيولوجية يتفق عليها كل علماء الاجتماع. والفرق الكبير بين مجتمعاتنا ومجتمعات الغرب المتقدمة، هو أن الثانية مليئة بالنقاشات الصافية أو الرصينة عن كل المواضيع، في حين أن الأولى تمنع الحوار حول معظم القضايا الساخنة. بالطبع فإن الأمور ابتدأت تتغير في السنوات الأخيرة لحسن الحظ، وأصبحنا نسمع عن تنظيم الحوار الوطني في هذا البلد العربي أو ذاك بين مختلف مكونات الأمة، وهذا تقدم بدون شك، لكننا لا نزال في بداية البدايات. وعلى أي حال، فإنه أفضل من اللاشيء، ومسيرة الألف كيلومتر تبتدئ بخطوة واحدة.

لقد فوجئت في الأيام الأخيرة بمدى انشغال الصحافة الفرنسية بالمشاكل العاطفية للرئيس ساركوزي، وهي المشاكل التي أدت إلى طلاقه من زوجته. فقد راحوا ينبشون عن كل حياته الشخصية، بل ويستهزئون به على شاشات التلفزيون!.

نقول ذلك على الرغم من أن هذه مسألة شخصية جدا وكان ينبغي أن تبقى في الظل، لكن بما أن القضية تأزمت كثيرا، وأصبحت تهدد المصلحة العامة للبلاد ضمن مقياس أنها أصبحت تقلق الرئيس إلى حد كبير، فإن الرأي العام الفرنسي طالبه بشكل مباشر أو غير مباشر بحسم الموضوع. وهذا ما كان عندما وقع على وثيقة طلاقه منها في قصر الإليزيه أمام القاضي. فأنت كرئيس دولة انتخبك الشعب لكي تحل مشاكله وتنشغل بها لا لكي تتخبط في مشاكلك العاطفية والشخصية إلى درجة أنك تنسى المصلحة العامة.. هذا ما أفهمه إياه قادة الحزب الديغولي عندما قالوا له بأن المسألة طالت أكثر مما يجب وأصبحت تهدد المصلحة العليا للبلاد، وبالتالي فقد اضطر إلى أن يدوس على عواطفه الاكثر حميمية ويقبل بالطلاق على الرغم من حبه العارم للزوجة الخؤون.. فالمرأة اذا ما ادارت لك ظهرها لا نفع من الركض وراءها. ولكن ماذا نفعل اذا كان الحب يعمي ويصم حتى ولو كان الأمر يتعلق برئيس جمهورية؟ الحب أذل حتى نابليون الذي رضخت له الجبابرة ولكن ليس تلك الحبيبة اللعوب جوزيفين وبالتالي فليعزّي الرئيس ساركوزي نفسه بذلك، لكن ما علاقة كل ذلك بصراع الفلاسفة والمجلة الادبية الفرنسية؟ علاقته هو ان الصراع يؤدي هنا ايضا الى اضاءة الاشكاليات والقضايا. فثقافة «النعم» على طول الخط، أي ثقافة الخضوع والتسليم وعدم الاعتراض على أي شيء لا تؤدي الى تقدم المجتمع او الفكر او الحضارة، بل تؤدي الى الهمود والجمود وربما موت الفكر والعقل. وهذا ما يحصل عادة في عصور الانحطاط الرتيبة: عصور التكرار والاجترار التي لم نشبع منها نحن العرب المسلمين حتى الآن.

لقد استعرضت المجلة الادبية الفرنسية بعض الصراعات التي جرت بين الفلاسفة الكبار وأدت الى تقدم العلم وانبثاق الحقيقة أكثر فأكثر. فهناك اولا، الصراع الشهير الذي جرى بين افلاطون وتلميذه ارسطو على مسألة الفصل بين المثل العليا الموجودة في السماء بحسب أي افلاطون، وبين الاشياء المحسوسة على الارض والتي تعتبر انعكاسا شاحبا لها. هذه الفكرة لم ترق للتلميذ ارسطو ولم تقنعه. ففي رأيه انه لا يوجد الا هذا العالم المحسوس الذي نلمسه ونشاهده وهو الأهم بكثير من عالم افلاطون المثالي الموجود فقط في اعالى السماوات او في خيال السيد افلاطون ولذلك تجرأ ارسطو وأعلن عن اختلافه صراحة مع استاذه قائلا كلمته الشهيرة: اذا كنت احب افلاطون كثيرا، فاني احب الحقيقة اكثر، بل وزاد على ذلك ان طرد استاذه من النزهة اليومية التي كان يقوم بها معه. وبالتالي فارسطو لم يكن يمزح اذا ما اختلف معك فكريا.

ثم بعد ذلك توالت الصراعات بين كبار الفلاسفة على مدار التاريخ كذلك الصراع الذي اندلع بين سبينوزا وديكارت، او بين فولتير وروسو، او بين نيتشه وشوبنهاور، او بين هيدغر وكاسيرر.. الخ. ولكن لا اعرف لماذا اهملت المجلة الادبية الفرنسية ذلك الصراع الفلسفي واللاهوتي الخطير الذي جرى بين الغزالي وابن رشد او حتى بين ابن رشد وابن عربي، الذي كان معاصرا له على عكس الغزالي.

فهل نحن العرب همج لا علاقة لنا بالفكر والفلسفة؟

وهو صراع له علاقة بصراع افلاطون وارسطو باعتبار ان ابن رشد كان من جماعة ارسطو وفلسفته الواقعية المادية في حين ان عقلية الغزالي وابن عربي اقرب ما تكون الى الشطحات الخيالية الافلاطونية.

ولا ينبغي ان ننسى ابن سينا الذي كان افلاطونيا ايضا على عكس ابن رشد. ولذلك فإن هذا الاخير هاجمه مثل الغزالي وربما اكثر. فكتاب تهافت الفلاسفة للغزالي ورد ابن رشد عليه بعد سنوات طويلة في كتاب تهافت التهافت اشعل واحدة من اكبر المناقشات الفلسفية في القرون الوسطى. وكان ينبغي على المجلة الادبية الفرنسية ان تشير الى ذلك ولو من بعيد. ام انهم يعتبروننا شعبا لا علاقة له بالفلسفة والفلاسفة؟!

المصدر: الشرق الأوسط

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم