|
بـقـلـم : أحمد علي المصطفى
عندما أصاب المرض الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك , كتب كتابا يعهد فيه بالخلافة من بعده للخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز , ودفع بالكتاب لرجاء بن حيوة ( مستشار الخلفاء ) كي ينفذ الأمر , فانظروا بالله عليكم كيف كان رد عمر بن عبد العزيز على هذا الحـــدث , كان رده رد المتخوف من أن تكون الخلافة قـد وصلت إليه وهو زاهد فيها ومرتعد من تحمل أعبائها , فانظروا إلى ما جرى وإلى حديثه مع رجاء بن حيوة , قال عمر : " رجـاء , قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل ( ويقصد الخليفة سليمان عندما حضرته الوفاة ) , أتخوف أن يكون جعلها إلـيَّ ولست أقوم بهذا الشـأن , فأعلمني ما دام في الأمر نفس , لعلي أتخـلص " .....!! يخشى عمر أن يكون سليمان قد عهد بالخلافة إليه , وقد فعل بالطبع , فلنلاحظ خشية ورهبـة وتخوف عمر من أن يتقلد زمام هذا الأمر , وكيف يتمنى ويطلب من رجاء أن يحاول أن يغير ما كُـتب , علها تذهب لغيره , فهذه أمانة ثقيلة الوطأة لا خلاق له عليها كما كان يرى ولا طاقة ولا رغبة له في التمسك بأمر يجده ثقيلا مجفلا في أن يؤتمن على أمة بأكملها , ونحن نستذكر حال بعض الولاة والأمراء والأشراف حين كان يعهد إليهم عمر بن الخطاب بالقيام بمهمة الإمارة على أرض أو إقليم من الأقاليم كيف كانوا يحتالون كل الاحتيال الشريف كي يتملصوا من منصب جسيم كهذا , ولعل أكثر الحالات شيوعا و رهبة هي تولي مقاليد القضاء , والتهرب اللطيف من القيام بأمره , حتى أنه جاء في الحديث الشريف : " من تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين " هذا لجليل مقام المنصب وعلو شأنه , أمور كتلك هي التي كانت ترتعد لسدتها فرائص التابعين والزهاد والمخلصين لأمتهم ولبلادهم ولأنفسهم ولله , كيف كانوا يفرون فرقا وارتعادا من تولي مناصب نرى أناس اليوم يتقاتلون عليها ..! فاليوم , تفتتح المضافات , وتنصب الخيم , ويفرش السجاد الأحمر والأزرق وبكل الألوان , وتعلق أسياخ الشــــاورما وتنتشر الحلويات وترتفع اليافطات وتصرخ الإعـلانات في كل مكان تدعو الناس لانتخاب فـلان أو علان لمنصب ما , تنحر الخراف ويذبح الدجاج وتشوى الصيصان والكتاكيت ببذخ كبير كتوطئة وتمهيد طريق للـ ( فــــــــوز ) بمنصب نائب برلماني , أو أي منصب آخر يصرف لأجله اليورو والدولار , والدرهم والدينار , وتسـمى العملية ( معركة ) انتخابية , أو حملة انتخابية تفوق حملات ريتشارد وتيمورلنك وهولاكو وجنكيز خان نفسه في ضراوتها وشراستها , كل هذا , لخدمة الشعب الطيب العزيز , معركة وحملة ضد من ؟ ضد من ينافسهم على الكرسي أو المنصب الشاغر , وفمهم المنفرج المنفتح المنتظر الفاغــر ...! كل هذا ونجد الجموع الغفيرة من الغوغاء والعامة والسوقة والرعاع من هذه الجمهرة وهذا الرهط العزيز اللذيذ نفسه ذاته وعينه , و بعد الـ ( فــوز ) ولا أعلم حقيقة الفوز بماذا ؟ هل بمنصب هو يفـتـرض أن يكون للـخدمة , لا للتمتع , لخدمة من انتخبوه فقط من أبناء الشعب لا لخدمته هو , نجدهم وفي بــلاهة منكرة وقد أتبعوا الانتصار الساحق المظفر بسيل من المفردات العجيبة التي لا تتناسب وجوهر الأمر ولا منطقيته فتـتـقلب بين – مبارك لكم الكرسي – هنيئا لكم المنصب – دمتم ودام عزكم – سنكون طوع أمركم – ستجدونا رهن إشارة من بنانكم - ما أطيب لبنتكم – ما أحسن جبنتكم – ما ألذ مكدوسكم ....إلخ من مفردات لو درسنا حقيقتها لوجدنا أنها تجافي العقل , بل وتسخر منه , فمثلا , أن تبارك لشخص ما حين يشتري سيارة , حين يشتري بيتا , حين يكسب مالا في تجارته , حين يهب الله له ولدا , حين ينجح شقيقه في شهادة علمية ما , حين يقيم حفلة طهور لولده , حين يـطرأ عليه من الأمر ما هو خليق بأن يُـبـارَكَ لـه بحق , أي لأجـل فـائدة ومنفعة طبيعية خالصة لشخصه أو لأهله , فكيف بنا ونحن نرى هؤلاء الغوغاء وقد مد كل واحد منهم اللسان ليسبغ بالبركة واليمن على منصب يفترض أن يكون فيه من تولاه هو الخـادم , الخادم للناس , فهل نبارك لوزير على شيء هو ليس له ؟ هل نبارك له على وزارة هي ليست ملكه ؟ أو لنائب في برلمان لا يمتلكه ؟ أو لمدير عام لشركة للشعب ليست له ؟ فلماذا نكرر كلمة مبروك ؟ هل تقال كلمة مبروك لمن يقوم بعمله ؟ هل يفترض فينا أن نبارك لمن هو موظف في الدولة أو لفرد منها ؟ من يقوم بعمل ويأخذ عليه أي أجر معلوم مرسوم مفروض له , لا ضرورة أن نبارك له , بل من المعيب أن نبارك له , ربما في حالات نادرة تجوز البركة , ربما نقول , مبروك لنا نحن لا هو , حين نفرح بامرىء قد نتوسم الخير فيه كونه خبير كبير عظيم الشـأن سيقدم للشعب عظيم الفائدة من خلال توليه المنصب , هنا نبارك لأنفسنا هذه الميزة لا نبارك له ما هو ليس له , وربما نبارك أيضا لنا وللمنصب حين يفارقه من عـاث فيه فسـادا وإفسادا و لوثه بكل مشين , وهنا نبارك بالتأكيد للمنصب ولأنفســنا رحيل الداء عن الجــســد , أملي أن أنام وأصحو لأجــد كل تلك المفاهيم التي نخلق من ذات أنفــســنا عبيدا لها , بل ونضع أنفسنا نحن موضع البيدق من الرخ , أو موضع الدونية أو المستجدي أو الكليل العاجـز , من القادر صاحب الصولجان والحل والنهي ...! لعمري إنها مثلبة ونقيصة وعـار على من يفعل , فهل تتحقق الأحــلام لتتخلق واقعا بالآمــال والتمنيـات ...؟ لو حدث ذلك , فســأقول : مبــروك لنــا جميعا .
المصدر: شـام برس
|