|
المنحرفون مجرمون يعتنقون الشر عقيدة وإيماناً وعلماً |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
02 تشرين الثاني 2007 الساعة 14:55 |
|
ليس كل المجرمين منحرفين. فالمنحرف والمجرم قد يشتركان في ارتكاب الشر. ولكن المنحرف ينتشي بارتكاب الشر، على خلاف المجرم العادي. وبعض المنحرفين يميل الى الخير. فباعث المنحرف على الشر أو الخير هو المتعة. ولعل ابرز المنحرفين هو جيل دو راي (وهو سيد شريف النسب وجندي اتهم بتعذيب عدد كبير من الاطفال واغتصابهم وقتلهم في القرن الخامس عشر م). وفي البدء، حذا جيل دو راي حذو جان دارك، ومال الى اعمال الخير. ولكنه انحرف الى الشر إثر حرق جان دارك، واعلانها ساحرة تستحق الموت. فانزلق الى قعر الظلام والشر، واتهم بقتل واغتصاب نحو ثلاثمئة طفل. وبعثت محاكمته المناقشات حول اصول الشر.
ويتساءل بعضهم ان كان الشر «أمراً طبيعياً». والحق ان السؤال يغفل ان الطبيعة المقصودة بالكلام هي طبيعة الانسان المختلفة عن طبيعة الحيوان. فعالم الحيوان لا يعرف الشر والانحراف. وحده الانسان تسعه السيطرة على نزعاته التدميرية. وفي وسعه الاختيار بين لجم هذه النزعات والامتثال لدواعي الخير أو الانصراف عنها والانزلاق الى قاع الشر. فالحيوان يمتنع عليه صوغ عقائد مثل النازية، والتمتع بإلحاق الاذى بالآخرين.
ويبدو بن لادن واحداً من أبرز المنحرفين في عصرنا اليوم. فهو رمز الدولة المارقة وكراهية النساء. ولم يتوان بن لادن عن حرف العِلم عن مقاصده المفترضة. وعلى خلاف انتحار «الكاميكاز» الياباني، وهذا وريث تقاليد عسكرية ومجتمع إقطاعي يمجد التضحية بالذات في سبيل الانتصار على جنود العدو، يحتقر البنلادنيون الفاشيون الحياة. فبن لادن لا يذهب الى ان مقاتلي «القاعدة» ضحوا بحياتهم في سبيل أمر ما، بل يقول ان «زعزعة استقرار الغرب لم تكلف سوى خمسة عشر رجلاً».
وطوال قرون طويلة ماضية، رُبط بين الجنس والانحراف، ووصفت المثلية الجنسية بالانحراف والشذوذ. فالمثلية تحول دون الانجاب، وتثير الخشية من اندثار الجماعة وانقطاع ذراريها. وعلى رغم ان الثورة الفرنسية أباحت المثلية الجنسية، ولم تعاقب قوانينها عليها، نظر الناس الى هذا الفعل على أنه خلاف الطبيعة. والقتل هو عقاب المثلية الجنسية في البلدان المتدينة. ولا تزال النصوص القانونية في بعض الولايات الاميركية تدين المثلية وتجرمها. ولعل التباس طبيعة المثلية هو مصدر تهمة الانحراف. فالمثلي لا يعاني خللاً طبيعياً ظاهراً. وهو طبيعي، شأن غيره من البشر، ومختلف عنهم ومباين لهم، في آن واحد. وفي القرن التاسع عشر، وهو قرن ولادة الطب النفسي في سنواته الأولى، وضعت عوارض النساء الهستيرية واستمناء الطفل والمثلية في باب الانحراف المرضي. ولكن سيغموند فرويد دحض التصنيفات الطبية المنسوبة الى العلم، ونزع صفة الانحراف عن المرأة الهستيرية، والطفل المستمني، وعن المثلية.
والحق ان النزعة الى توظيف العلوم في خدمة مكافحة عيوب البشر لا تحمد عقباها. فعلى سبيل المثال، زعمت النازية الاستناد الى العلوم في تبرير أعمال الابادة. وتذهب حنة أراندت في تفسيرها امتثال موظفين عاديين وضلوعهم من غير تذمر في إبادة اليهود الى ان «الشر أمر سائر» ويجري في الناس مجرى الأعمال اليومية. ولكن مرتكبي الابادة النازيين لم يكونوا موظفين بيروقراطيين عاديين، على خلاف زعم أراندت. ثم لم يغفلوا عن فداحة فعلتهم. ولكنهم كانوا يمتثلون لعقيدة «علمية» تعلي شأن جماعة من البشر، وتحط شأن جماعات أخرى. فالنازيون لم يكونوا جماعة مجانين يهذون ويغلون في هذيانهم، بل كانوا عصبة منحرفين، وتعمدوا نفي صفة الشر عما ارتكبوه وفعلوه.
عن «ليبراسيون» الفرنسية، 20-21/10/2007 دار الحياة
|