إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






خواطر ونصوص
في سورية
البداية arrow خواطر ونصوص arrow ذكريات زبد
ذكريات زبد Print E-mail
بقلم: محمد نورالله   
18 آب 2006 الساعة 18:05

كم أحببت مراقبة البحر... كنت أجلس ساعات وساعات على الشاطئ فلا أشعر بها إلا ثواني معدودة... كان للبحر تأثير عجيب على روحي... كان يمتص كل فكرة... كل ذكرى.. كل إحساس في نفسي فينظفها ويتركها بيضاء... وكأني ولدت من جديد.... لا خوف ولا ألم... بل صفاء أزرق وغناء شجي يشعرني بأني جزء منه... وأنه جزء مني... فلا أرغب بفراقه خشية أن أفارق بضعة مني
عند الغسق... بدأ الصيادون بالتحضر لرحلتهم المملة الرتيبة اليومية... لرحلتي المثيرة الممتعة.... كم انتظرت هذا اليوم...
قال لي أبو عمر... "منذ أن غرق الأطفال على شاطئ اللاذقية منعت الحكومة الناس من الصعود على مراكب الصيادين...أنت محظوظ".

وأبو عمر الشيوعي – كما كان يدعوه البعض- صياد بسيط كبقية الصيادين، في مدينتي الصغيرة المطلة على البحر... يخرجون مع الغروب كل ليلة... فتبدو فوانيسهم كالنجوم في البحر المظلم ... وعندما يأتي الليل يرتفع غناء البحر ... كنت أشعر أن أصوات الصيادين تصلني مع غناء البحر الداكن وأضواء فوانيسهم الدافئة الجميلة...

شوه صوت محرك المازوت غناء البحر ... لكنه ثمن تافه بالنسبة لي فطريقنا ربع ساعة... وصوت الماء على حواف القارب بدا واضحا عندما توقفنا في وسط البحر... يرافقه صوت الموج البعيد...كأنها أناشيد الليل، والمدينة تبدو بعيدة صغيرة تافهة لا قيمة لها عندما تنظر إليها وأنت في أحضان البحر...
وفي عرض البحر... كنت قريباً من عملاق مظلم... لا قيمة للأشياء... لا وجود في حضرة الوجود الأكبر... حيث أتمنى أن ينتهي كل شيء... أن أفنى فيه لأن لا معنى لوجودي بوجوده... رغبت لو أني جزء منه... كان الزبد القصير العمر أبقى مني... كانت ثوانيه المعدودة على سطح الماء ذات قيمة أكبر وأعظم مني... من نفسي... من روحي... لو أني قطرة منه، لكنت في كل بقعة منه... ولكانت كل بقعة منه تحملني...

وأيقظني أبو عمر من أحلامي وقال لي وهو يضحك...
"لا تسكر... لقد حرم ذلك شيخنا الجليل... "
"هل تشرب؟"
"كلا... لقد أقلعت من زمن طويل... لم يعد يسكرني شيء... "
ونظر إلي فأجبته قبل أن يسأل...
"نعم أشرب... لكن لو عرف شيخك الجليل ما أشرب الآن... لسبقني إليه"
"لا تبتعد في الماء لأن رؤيتك مستحيلة هنا."

كان ملمس الماء على جلدي ليس كمثله شي .. أثقل وأصعب مما هو في النهار... ورغم أن الفوانيس كانت مضيئة من حولي إلا أن البحر المظلم له رهبة ليس بعدها رهبة. وخوف لا خوف بعده. فالضياع لا هروب منه... ولا مجال لمن ينقذك.

وقلت للشيوعي وأنا أجفف نفسي... "أنت محظوظ"

لم يكن أبو عمر شيوعيا.. ولا أدري لم أطلق عليه الناس تلك التسمية... ربما لأنه عاش وحيداً... أو لأنه كان بسيطاً متواضعاً... ولم أسأله عن ذلك...

قلت له... "أنت محظوظ"، فنظر إلي بابتسامة...

"عندما ينام الضوء... ويهبط كل ظلام الكون على الروح... عندما يوقظ الظلام كل الحواس بشدة... أراقب كل وردة باقية في المخيلة لأهرب معها بعيدا...
عندما يسحق الظلام كل جمال في العيون المراقبة... أرقب الورود من بعيد كمخلوق غريب.. أتمنى لو أتذوقها...... وصوتها في الليل يبدو مكبراً آلاف المرات... لقد أغنى الليل والبحر حواسي فبت أميز بقعا جميلة من الضوء حولي... وانظر ورداً بعيدا... وردا أجمل عندما يموت عطشاً... وروحي تمتص كل قطرة لتراقبه يموت من بعيد بعد أن أزهر في قلبي.
بين بقع الضوء من حولي... واللون الأحمر البعيد... بت أصارع ظلاما تملكني... ظلاما يخيف كل قريب فيتركه بعيدا عني... ويتركني وحيداً.... ظلاماًُ حول لحظات الهدوء والصمت إلى صراخ يرميه في وجهي ليذكرني أني وحدي...
عندما يهمس الظلام في رأسي أن أهجر قلبي ... وكل ما أشعر به... عندما أفقد ثقتي بما أشعر.. عندما أفارق إنساناُ موجود في داخلي..."

لقد التهم البحر أبا عمر الشيوعي سنيناً عديدة فأمسى زبداً...جزءا من عملاق عظيم. يولد ويموت في الليل بين أحضان البحر... فلا يشعر به أحد... ولا يهتم لصوته في الليل أحد...

أمضيت الليل أتأمل السواد... أستمع وأنظر إلى ما لا يمكن رؤيته... عندما ينام الضوء.... كم هو مختلف البحر في الليل... وأعادني أبو عمر مع الفجر والقارب إلى الشاطئ... أعادني زبداً أبيض... مليئاً بغناء البحر وروح البحر.. لا يشعر بشيء... ولا يشعر به شيء.


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم