إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow السلطة وكتابة التاريخ: يوغوسلافيا نموذجاً
السلطة وكتابة التاريخ: يوغوسلافيا نموذجاً Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
11 تشرين الثاني 2007 الساعة 22:13
حازم صاغية - الإتحاد الإماراتية
 
طوال عقود العهد الشيوعيّ في يوغوسلافيا، كُتب للبلد تاريخ غير التاريخ الفعليّ. وإذا كانت هذه عادّة الأنظمة الديكتاتوريّة والتوتاليتاريّة التي تصنِّع التاريخ على هواها، وتمنع غيرها من كتابته فتفرض، بهذا، رؤية واحدة وسرداً وحيداً، فالآن شرعت الأمور تختلف. ذاك أن اليوغوسلاف السابقين بدأوا يكتبون التاريخ بحريّة، وأيضاً بتعدّد يتيح للصربيّ أن يرى ما لا يراه الكرواتيّ، وللمسلم البوسنيّ أن يفسّره بما يغاير تفسير ابن سلوفينيا أو الجبل الأسود.

وما يتجمّع من الكتابات الجديدة والمتضاربة للتاريخ اليوغوسلافيّ اليوم كفيل بإسقاط إيقونات كثيرة: فتيتو، مثلاً، كفّ عن أن يكون المناقض الوطنيّ الدائم، ومنذ البدايات الأولى، لستالين. فهو كان إبّان الحرب العالميّة الثانية، حسب الرواية/ الروايات الجديدة، لا يزال خادماً مطيعاً له، مستعدّاً لأن يقيم في بلاده، بعد تحقيق الانتصار الموعود طبعاً، أيّة صيغة تطلبها موسكو: أكانت هذه الصيغة دولة مركزيّة قويّة، أم اتّحاداً يوغوسلافيّاً من جمهوريّات اشتراكيّة فيدراليّة، أو حتى فيدراليّة بلقانيّة تشمل بلغاريا وألبانيا. والحال أن الغموض والتعثّر مما لازم المواقف الستالينيّة من المسألة القوميّة انتقل إلى الحزب الشيوعيّ اليوغوسلافيّ نفسه. فالمعروف أن سياسة "الكومنترن" قامت، حتى أواسط الثلاثينات، على اعتبار يوغوسلافيا جزءاً من حائط الدول غير الصديقة التي نشأت بموجب صلح فرساي، بعد الحرب العالميّة الأولى، لتصدّ الاتّحاد السوفييتيّ الوليد وثورته واشتراكيّته الناشئتين. وقد دعا "الكومنترن"، فعلاً، لحلّ يوغوسلافيا في 1924، كما شُجّع الشيوعيّون اليوغسلاف على تحريك القوميّات الناقمة في وجه بلغراد كوسيلة لخدمة ذاك الغرض. أما في 1935 فتغيّر الخطّ السوفييتيّ كليّاً تحت وطأة الصعود النازيّ في ألمانيا: فالشيوعيّون صاروا الآن مطالَبين بالحفاظ على يوغوسلافيا والعمل بموجب روحيّة "الجبهة الشعبيّة" ضدّ "الفاشيّة الدوليّة". وهكذا كان.

كذلك فإن "تيتو"، وعلى عكس ما كانت تنسبه إليه الرواية الرسميّة من مناهضة دائمة لستالين، عاش في موسكو إبّان "التطهيرات العظمى" للزعيم السوفييتيّ، لكنّه لزم الصمت صوْناً لرأسه وهو يرى رؤوس شيوعيّين كثيرين آخرين، سوفييتاً وغير سوفييت، تتدحرج.
لكن خرافة أخرى بدأت تتهاوى بدورها، مفادها أن أولويّة "تيتو" لم تكن صدّ الاحتلال الألمانيّ النازيّ، كما كانت الرواية الرسميّة تؤكّد، بل التخلّص من المقاومة المَلكيّة اليوغوسلافيّة المعروفة بـ"الشتنكس"، والتي نافست مقاومة "الأنصار" الشيوعيّين بزعامته. ففي بدايات الحرب وانطلاق المقاومة، سيطرت "الشتنكس" على معظم صربيا والجبل الأسود، وهو ما حكم استراتيجيّة "تيتو" بوصفها استراتيجيّة همّها الأساس ضربهم وإنهاؤهم. وفي المناخ هذا، لم يتردّد "تيتو" في الاتّصال بالألمان ومحاولة التوصّل إلى تسويات معهم تتيح له توجيه ضربة قاضية لـ"الشتنكس". وهكذا فإن استيلاء "تيتو" على المناطق الريفيّة البعيدة أثّر على هؤلاء الأخيرين فيما لم يؤثّر فعليّاً على الجهد الحربيّ الألمانيّ بأيّ معنى حيويّ: فالألمان وحلفاؤهم الإيطاليّون مضوا في السيطرة على المدن الكبرى والطرق وسكك الحديد الرئيسة والمناجم. أما السبب الذي حمل الألمان على إجلاء قوات "الأنصار" الشيوعيّة عن شمال غرب البوسنة، مطالع 1943، فلم يتعلّق بقوّات "تيتو" ومقاومتها، رغم شجاعة هذه المقاومة، بل نجم عن الخوف من إنزالٍ قد يقوم به الحلفاء في الساحل الدلماسي المجاور. وهو السبب نفسه، أي السيطرة على الداخل المجاور، ما جعل الألمان يشنُّون هجومهم آنذاك على الهرسك والجبل الأسود.

والحال أن ميلوفان دجيلاس، الذي كان مساعد "تيتو" قبل أن ينشقّ عنه لاحقاً، كان سبّاقاً في تقديم هذه الرواية. فهو ذكر أنه هو نفسه، وبتكليف من الحزب وزعيمه، التقى بعض كبار الرسميّين الألمان في سراييفو، وفي أمكنة أخرى من البوسنة، في مارس 1943، وأخبرهم أن العدوّ الرئيسيّ لـ"الأنصار" هم "الشِتنكس" لا الجيش الألمانيّ. وقد اقترح هدنة على الألمان، بل ذهب أبعد وعرض مقاتلة البريطانيّين إذا ما حطّ طيرانهم المنطلق من الأدرياتيكيّ فوق مناطق يسيطرون عليها. ويبدو أن القادة الألمان اهتمّوا بالعرض الشيوعيّ اليوغوسلافيّ بما ينمُّ عن ضآلة الحجم الذي تحتلّه الاعتبارات الأيديولوجيّة، بل الاعتبارات الوطنيّة أيضاً، قياساً بحجم الرغبة في استئصال خصوم محليّين. غير أن من أحبط المشروع لم يكن إلاّ هتلر نفسه، فلم ينجم التفاوض إلاّ عن تبادل محدود للأسرى.

كذلك تطال إعادة النظر نشأة الحزب الشيوعيّ نفسه والذي حمل اسم "رابطة الشيوعيّين اليوغسلاف". فهو لم يكن، عشية الحرب العالميّة الثانية، يضمّ أكثر من ألفي عضو على الأكثر، لكنه ما أن انتهت الحرب حتى استولى على السلطة. وهذا ما لم يتأتّ عن "موعد مع التاريخ"، أو "ضرورة حتميّة"، بل نجم عن وقائع وظروف محدّدة: ذاك أن القوى اليمينيّة والملكيّة والقوميّة، الكثيرة والقويّة، بدت متناحرة ومتنافسة في ما بينها على نحو سهّل له، ولقبضته المركزيّة المُحكمة، الوصول إلى شاطئ الانتصار الآمن.

أبعد من هذا كلّه أن السرد المتعلّق بيوغوسلافيا نفسها تغيّر تغيّراً عميقاً وجذريّاً بما يحدث مزيداً من الاقتراب من الحقيقة التاريخيّة. فهذا الكيان لم يعد، على ما قدّمته الرواية الرسميّة والشيوعيّة، تحقّقاً لحلم تاريخيّ حلمت به الأجيال وحضّت عليه ضرورات التقدّم التاريخيّ، بل أضحى، في نشأته عام 1918، اختراعاً حديث العهد أنشئ على عجل. وفي مقابل الإصرار على تاريخ جامع لشعب واحد، وهو ما أنتجته التيتويّة، صار التنافس سمة العلاقة بين الصرب والكروات، بينما ظل أهل الجبل الأسود متمسّكين بتمايزهم. وبدورهم، ارتبط السلوفينيون تاريخيّاً بفيينا، لا بزغرب، عاصمة كرواتيا، كي لا نقول ببلغراد عاصمة بلاد الصرب.

وعلى هذا النحو غدا كلّ طرف يقدّم التاريخ من زاوية رؤيته الموروثة ومصالحه، غير أن الجميع يشتركون في توكيد الاختلاف في الرؤى والمصالح. فقد صار من المألوف القول إن الصرب، مثلاً، يعتبرون كوسوفو مدينتهم المقدّسة، وأنهم عاشوا ويعيشون على ذاكرة مقاومة الأتراك طوال قرون خمسة، ما أكسب صلتهم بكوسوفو مضموناً مناهضاً للإسلام. أما الجبل الأسود الذي أجبر على الانضمام إلى يوغوسلافيا في 1918، في ظل آخر ملوك مملكة الجبل الأسود المستقلّة نيقولا، فاندلعت فيه حرب أهليّة قصيرة، إلا أنها بالغة الشراسة، بين الذين مع الوحدة والذين هم ضدها. ذاك أن أكثر من نصف أهل الجبل الأسود يشعرون بقرابة خاصة مع الصرب مصدرها المذهب الأرثوذكسيّ وكون الجبل الأسود مصدر الصرب ومنبع الهويّة الصربيّة. وهذا جميعاً مما لم يعد ذكره محرّماً.

والواقع أن هذا التفسّخ الذي انطلق منه، وانطوى عليه، المشروع الوحدويّ اليوغوسلافيّ يدلّ كم أن البلد كان بحاجة إلى أساطير جامعة وموحّدة، أسُمّيت وحدة البلد أم الالتفاف المزعوم حول مقاومة "الأنصار". وقد جاء سعي الشيوعيّة اليوغوسلافيّة، بعد الحرب العالميّة الثانية، إلى استئناف المشروع الوحدويّ بقيادتها، ومن ثمّ تصدّيها اللاحق لستالين بقيادة شابّ نصف كرواتيّ نصف سلوفينيّ هو جوزيب بروز تيتو، ليعزّزا تلك الحاجة.

والحال أن الأسطورة لم تكن أسطوريّة كلياً. فمثلاً، حينما انفجرت الحرب الثانية في 1941 لم ينتظر "تيتو"، على عكس زملائه الشيوعيّين في بلدان أخرى، أوامر الكرملين، بل انخرط في حرب التحرير تبعاً لأفكاره وطرقه الخاصّة. ثم إن المقاومة وفّرت حججاً معقولة عن أن اليوغوسلاف حرّروا أرضهم من دون الجيش الأحمر، على عكس باقي الأوروبيّين الشرقيّين. وكانت يوغوسلافيا البلد المحتلّ الوحيد الذي عرف ما يشبه الحرب المفتوحة ضدّ الألمان على امتداد الحرب العالميّة الثانية. وفي الحالات كافة، فهي عُدّت بين بلدان قليلة لم تخلّف فيها نهاية الحرب جيشاً حليفاً يحتلّها. وأخيراً، غدت البلد الشيوعيّ الأوروبيّ الوحيد الذي يتحدّى ستالين، كما يبني شيوعيّةً تبقى، على رغم قمعيّتها والبؤس الذي أفضت إليه، أقلّ قمعيّةً وبؤساً، من باقي الأنظمة الشيوعيّة في وسط أوروبا وشرقها.

بيد أن فرز الحقيقة عن الكذب، والتخلّي عن التضخيم الذي يقلب الرواية الأصليّة ويُحلّ نفسه محلّها، يظلاّن مهمّة مستحيلة إن لم تنكسر السلطة التوتاليتاريّة، أو شبه التوتاليتاريّة، التي تمدّ يدها إلى التاريخ وتحتكر كتابته. وليس مجرّد صدفة، في هذا المعنى، أن تحرير التاريخ اليوغوسلافيّ لم يحصل إلاّ بعد سقوط تلك السلطة واختيار الشعوب التي كانت تتشكّل منها يوغوسلافيا طرقاً خاصّة بها وأنظمة مستقلّة ديمقراطيّة أو شبه ديمقراطيّة.
 
 

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم