|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
12 تشرين الثاني 2007 الساعة 19:11 |
|
محمد صلاح - الحياة
على فرض أن مفتي مصر الدكتور علي جمعة لا يقصد في كل مرة يصدر فيها فتوى أو يقول رأياً أن تقوم الدنيا ولا تقعد، وأن تشهر حملات ضده وضد فتاواه وآرائه، وأن الرجل يعتقد أنه يقوم بواجبه ويرد على أسئلة المواطنين قاصداً وجه الله، بغض النظر عن ردود الفعل على كل كلمة أو فتوى يطلقها، لكن المؤكد أن رد الفعل نفسه يتكرر في كل مرة، ويخلط الناس ووسائل الإعلام بين الفتاوى الدينية ورأي الشيخ الذي قد يحتمل الخطأ والصواب. يجد الدكتور جمعة نفسه دائماً مضطراً لاتهام وسائل الإعلام بتحريف كلامه وتفسيره على غير المعنى الذي قصده، ويستمر الجدل حتى تأتي فتوى جديدة أو رأي آخر للشيخ فتعاد الكرَّة.
يشكو المفتي جمعة دائماً من أن وسائل الإعلام تخلط بين الفتاوى التي تصدر عن دار الإفتاء أو تلك التي يرد فيها على اسئلة المواطنين في شأن الشرع والشريعة وبين رأيه الشخصي، ويلفت إلى أن الصحافة المصرية التي تصارع من أجل حريتها وحرية العاملين فيها، تستكثر عليه حريته ولا تمنحه الحق الذي تطالب به ولا تتوقف عن نقد كل رأي يطلقه مهما كان، لمجرد «الفرقة الإعلامية» واختلاق قضايا وهمية بحثاً عن الإثارة. ويبدو أن الشيخ لا يُقدر أن رأي الشخص في العمل العام محسوب عليه، وأن الحديث إلى الناس عبر وسائل الإعلام له ضوابطه لأن مستقبليه من فئات عمرية وثقافية وتعليمية متفاوتة، وأن الرأي حين يصدر عن رجل دين فإن بعضهم سيعتقد أنه كلام الشرع، فما بالك إذا كان المتحدث مفتياً رسمياً؟ واللافت أن ردود الفعل الصاخبة على فتاوى جمعة وآرائه لم تتوقف على بعض برامج الفضائيات الباحثة عن الإثارة أو الصحف التي يمكن أن يُطلق عليها هو أو غيره صفة «الصحف الصفراء»، وإنما تشعبت واتسعت وامتدت لتشمل برامج التلفزيون الرسمي المصري والصحف القومية.
في شأن الواقعة الأخيرة كان المفتي جمعة يتحدث إلى جمع من الناس في مواضيع عدة ثم أخذه الحديث الى تناول مسألة غرق عدد من المصريين أمام السواحل الأوروبية قبل أن يعرف على وجه اليقين ما هي ملابسات سفرهم أو غرقهم، وكيف ولماذا «طفشوا» من وطنهم، وقبل أن يعلم تأثير المأساة على ذويهم وأسرهم وآبائهم وأمهاتهم. جاء حديثه ليصدم مشاهدي الشاشات الذين تابعوا وقائع ما جرى وقلوبهم تعتصر، وقبل أن يفيق الناس من صدمة مجتمع دفع بأبنائه إلى الفرار والهروب والهجرة بحثاً عن العيش، وقبل أن تنهي السلطات في مصر أو إيطاليا أو أي دولة أوروبية ساحلية التحقيقات لتحديد الجناة. هكذا خرج كلام المفتي وكأنه يعلن نهاية التحقيق: الضحايا هم الجناة لأنهم طمّاعون ألقوا بأنفسهم في التهلكة وهم ليسوا بشهداء ولا مكان لهم في الجنة.
إن الناس مشغولون بأسباب الكارثة التي تحولت الى ظاهرة. مهمومون بمشاعر الثكلى من الأمهات والأيتام من الأبناء وليس بجدل حول فرص العمل المتاحة في مصر وإصرار الشباب على المغامرة بالسفر غير الشرعي. كان الناس يتذكرون محاسن موتاهم فأتاهم المفتي ليذكرهم بمساوئ ضحاياهم. كان الناس يدعون الله أن يدخل أرواح الضحايا جناته فجاءتهم الفتوى أو الرأي (لا فرق) لينبههم أن تلك الأرواح استقرت في جهنم.
|