ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow موعد مع إنانّا
موعد مع إنانّا Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
13 تشرين الثاني 2007 الساعة 15:13
علي الشوك - الحياة

لم أعلم انني كنت على موعد مع إنانّا، في زيارتي بلجيكا، للمرة الأولى، في 1991. كنت في دعوة سيدة تعرفت إليها في لندن قبل ذلك بأسابيع. في لقائي الأول بسيدتي الكريمة في لندن، علمت أنني مؤلف كتاب «الأطروحة الفنطازية». فسرّها ذلك كثيراً، وحمدت المصادفة التي عرفتها بي، لأنها تعتبر «الأطروحة الفنطازية» أظرف كتاب قرأته في حياتها، على حد قولها.

كانت سيدتي الكريمة ميسورة الحال. وكنت أنا على حافة الإدقاع. لم أكن مدقعاً تماماً، بيد أنني لم أكن أستطيع أن أدعوها، هي وزوجها، الى مطعم. كان ذلك يرهق موازنتي. فأحبت هي أن تدعوني على عشاء في مطعم نمسوي قريب من شارع أوكسفورد (لندن)، طبعاً بحضور زوجها. وفي هذا المطعم، سألتني إن كانت لدي كتابات أخرى على غرار «الأطروحة الفنطازية». فقلت لها إن مثل هذا الكتاب لا يكتب غير مرة واحدة. لكنني كنت أستطيع أن أتوسع فيه، وأحذف أشياء أجدها الآن باهتة. وقد حدثتني نفسي على مدى هذه السنوات العشرين التي مضت على تأليف الكتاب أن أغير فيه، وأضيف إليه. ولديّ الآن الكثير مما أستطيع إضافته إليه. لكن هذه الإضافة قد تسيء الى روح الكتاب، وتُخل بالجانب الإبداعي فيه. فأنا الآن لا أتمتع بمزاج فنطازي كالذي كنت أتمتع به يوم كتبته. فقالت سيدتي: «خسارة، أستاذ».

وكنت يومذاك في عزّ اهتماماتي اللغوية. وزيارتي لندن تأتي في هذا الإطار. كانت في الأساس من أجل مراجعة مكتبة SOAS (كلية الدراسات الشرقية والأفريقية) ذائعة الصيت، التي لا ينبغي لمعنيّ مثلي بالدراسات اللغوية والتأريخية أن يفوّت فرصة الاستفادة منها.

هنا التمعت عينا سيدتي، وقالت: «أنا واثقة، أستاذ، أنك ستجد ضالتك أيضاً في مكتبات لوفان، التي نقيم فيها». ثم أكدت «انها من بين أغنى المكتبات في العالم، في اللاهوت، والفلسفة، والتأريخ، واللغات».

كنت أنا مستمتعاً بطعام المطعم النمسوي الفاخر، وبجو تلك السهرة الجميلة. كنت منتشياً في واقع الحال. وعندما حدثتني عن هذه المكتبات المذهلة، أعربت عن أمنيتي في زيارتها. وعلى الفور، قالت لي: «سيكون من دواعي سرورنا، أنا وزوجي، أن ندعوك لتقيم شهراً كاملاً في شقة مريحة، ليتسنى لك الاختلاف الى هذه المكتبات، إضافة، طبعاً، الى مكتبة جامعة بروكسل».

ابتسمتُ، فقد تذكرت على الفور ناديجدا فون ميك، المحسنة الى تشايكوفسكي، التي كانت ترسل إليه معونة مالية سنوية سخية. قلت لها: «لا أدري ماذا أقول، يا سيدتي الكريمة. هذا كرم من لدنكما يضعني في موقف حرج».

«على العكس، أستاذ»، قالت: «نحن يسعدنا أن نغتنم هذه الفرصة للقاء بك، وتبادل الأحاديث الشيقة معك».

أكدت مرة أخرى امتناني الجم لهذه الدعوة الكريمة، لكنني أجدني محرجاً في تلبيتها.

لكنها، قالت: «لا تقلق بالك، أستاذ. سنترك لك عنواننا، ورقم هاتفنا، للاتصال بنا، وتحديد الموعد الذي يناسبك».

قلت: «لكنني لن أستطيع أن أفعل ذلك، يا سيدتي الكريمة».

قالت: «طيب، اترك لنا عنوانك، ورقم هاتفك، لنتصل نحن بك، ثم نتفاهم حول الموعد الذي يلائمك».

فدونت لهما عنواني، بلا رقم هاتف، لأن شقتي في بودابست كانت في حي جديد لم تُمد إليه سوى خطوط الهواتف العامة.

بعد زهاء شهر وصلتني رسالة من السيدة الكريمة، تعرب فيها عن سرورها، هي وزوجها، باستقبالي في لوفان في الوقت الذي يلائمني. فلم يكن مني سوى الاستجابة الى هذه الدعوة الكريمة، وحددت موعداً.

في مطار بروكسل، كانت هي وزوجها في استقبالي. ومن هناك أقلاّني في سيارتهما الى بلدة لوفان التي يقيمان فيها. وأوقفا السيارة أمام بناية تحت اسم «فيفالدي». وهناك ترجلنا، ودخلنا البناية، ثم أُرشدتُ الى الشقة التي سأقيم فيها شهراً كاملاً. (يخجلني أن أقول هنا، إنني وجدت على نضد في غرفة الاستوديو التي استؤجرت لي، مظروفاً في داخله مبلغ من المال لتغطية نفقات طعامي وحركتي).

مساء يوم وصولي دُعيت الى منزل مضيفيَّ على عشاء. وكانت سهرة جميلة، تخللها حديث متشعب، سألاني في سياقه عن مشاريعي. ضحكت، وقلت: «أنا في واقع الحال أمارس عملية خداع، غير مقصودة، منذ سنوات. فقد وجدتني مستدرجاً الى موضوع ليس من اختصاصي، ولم يعد في وسعي أن أتراجع أو أتخلى عن هذا الموضوع، البعيد من اختصاصي، بعد أن توغلت فيه الى حد بدا لي ولغيري أكثر من اختصاص. هذا الموضوع هو البحث عن جذور الكلمات».

فقالت سيدتي الكريمة: «ما دام الأمر كذلك، فإننا نأمل أن تجد في المكتبات هنا ما يلبي حاجتك».

في اليوم التالي، اصطحبتني السيدة الى مكتبة جامعة لوفان. (كان زوجها قد ذهب الى محل عمله). واتفقت معي على أن تعود إليّ بعد ساعة، أكون في أثنائها قد ألقيت نظرة على عناوين الكتب في الجناح السومري – البابلي، الذي هدتني إليه. فلفتت اهتمامي عناوين مهمة، دونتها على ورقة، كان من بينها كتاب بعنوان «Inanna». عندما تصفحته، وجدته شعراً يتغنى بمآثر الإلهة السومرية إنانّا ومفاتنها. قلت هذا بغيتي ورجاي. وقرّ قراري أن أقوم بترجمته.

عندما عادت إليّ سيدتي، سألتني عن حصيلة جولتي بين رفوف الجناح السومري – البابلي، فقلت لها: «مجزية جداً».

«هل عثرت على أشياء معينة؟».

«كل ما عثرت عليه كان جديداً بالنسبة إلي. وكان ثمة كنز بينها!».

سألتني بسعادة: «ما هو، أستاذ؟».

«إنانّا».

تساءلت بنبرة الجاهلة بالاسم: «إنانّا؟ ستحدثني عنها في كافتيريا المكتبة، التي سنتناول فيها سباغيتي، ما رأيك؟».

« رائع».

في الكافتيريا، اقترحت ان احجز لنا مقعدين (أمام طاولة طويلة يشاركنا فيها طلبة الجامعة وأساتذتها)، وذهبت هي لتأتي بصينية الطعام. كانت هناك شوربة أيضاً... هل أقول إنها ألذّ وجبة سباغيتي تناولتها في حياتي، مع انها لم تكن أجودها؟

جلسنا على مقعدين متقابلين. كنت أشعر أنني في صحبة إنانّا مضاعفة، إحداهما جالسة أمامي بابتسامتها التي تمحو كآبات الدنيا برمتها، والأخرى فوق، على رف في الجناح السومري – البابلي.

قالت: «والآن، يا أستاذي، حدثني عن إنانّا».

كنت أود أن أقول لها: «إنانّا هي أنت»، لكن الكلفة لم تكن مرفوعة بيننا. ولا أدري ماذا سيكون وقع هذا التشبيه عليها، لأن إنانّا تقترن في الأساس بالحب الجسدي. لذلك أحجمتُ عن إطلاق العنان لحريتي في كلامي مع سيدتي الكريمة، على رغم أنني أستطيع أن أتجاوز الحساسيات العاطفية معها، لأنني أكبرها بزهاء عشرين عاماً. على أية حال، بدأت بالكلام على اشتقاق اسم «إنانّا» قبل كل شيء. قلت لها: لعل اسمها مشتق من «نين – آنا»، أي «سيدة السماء». ورمزها هو حزمة القصب. إن اقترانها بتموز لا ينبغي ان يُنظر اليه كشيء حصري. وكانت إنانّا تعتبر إبنة إله السماء السومري آن، الذي ربما اشتق اسمها منه. لكنها، استناداً الى تقليد آخر، تُعتبر إبنة إله القمر «نانّا» بالسومرية (وانتبهي الى الاسم أيضاً)، أو «سين» بالاكدية. كما غنها كانت تُعتبر إبنة آلهة آخرين. مثل أنكي، إله الحكمة. لكن الذي يهمني أنا، شيء آخر.

تطلعت إليَّ بترقب، وهي تسألني: «قهوة، أستاذ؟».

«نعم، شكراً، مع الحليب وبلا سكر».

واستأذنتني لتأتي بالقهوة لي ولها. وبعد أن عادت، قالت: «نعم، أستاذ، ما هو هذا الشيء الآخر الذي يهمك في إنانّا؟».

«آه، إنه موضوع طويل، أفكر في كتابة دراسة عنه، ولا أدري إذا كنت سأحقق هذا المشروع، فأنا كاتب قُلّب في مزاجه الى حد كبير!».

ضحكت، وقالت: «هذا شيء مستحب فيك، أستاذ!».

«لا أدري، على أية حال. لكنني لا أريد أن أبتعد من الموضوع. فأنا أتلمس نقاط التقاء بين إنانّا، طبعاً والكثير من أمثالها من الشخصيات النسائية الميثولوجية. لكن اللواتي يُثرن اهتمامي من بينهن، هن الآتيات أسماؤهن: أوروبا الكنعانية، التي اختطفها زيوس كبير آلهة اليونان، وهيلن الطروادية التي يقترن اسمها بمشعل القصب، أو حزمة القصب، وربما حتى ليلى في التراث الأدبي العربي».

قالت: «هذا شيء مثير للاهتمام كثيراً، أستاذ».

إلا أنني قلت: «لكن كتاب «إنانّا»، الذي عثرت عليه اليوم بفضلك، أدار رأسي بشعره العذب وأنا أتصفحه. لذلك رأيت أن أقوم بترجمته فوراً».

«هذا مشروع جميل، أستاذ. وأنا سأستعير الكتاب الآن، لنقوم بتصويره، لتأخذ نسخة مصورة كاملة عنه».

نقلني الكتاب في أثناء ترجمته، الى عراق إنانّا، أول من تغنّى فيها الشعر. فكنت أشعر بسعادة غامرة لأنني كنت أتنسم أنفاس إنانّا السومرية، وإنانّا العصرية. لكنني أُحرجت أمام سيدتي عندما التمست مني أن أطلعها على الترجمة العربية. لم يكن هذا يقلقني، بل شيء آخر. فالأشعار لا تخلو من تسمية الأسماء «المكشوفة» بمسمياتها، بكل بساطة، وبراءة، وصراحة.

قلت لها: «سيدتي الكريمة، سأعتذر الآن عن تلبية طلبك، لأسباب ستكتشفينها في ما بعد. بيد أنني سأترك لك نسخة مصورة من الترجمة في يوم عودتي الى بودابست».

وللأسباب التي أشرت إليها أعلاه، لم تكن دار نشر في أي بلد عربي تجرؤ على نشر الترجمة. فأرسلت النص المترجم الى دار الجمل في كولون، لصاحبها السيد خالد المعالي. فتلقفه، ونشره على الفور. وصـدر الكتاب في 1992، تحت عنوان «من روائع الشعر السومري».

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم